نحو تصوفٍ راشد (الحلقة الأولى)

2 أبريل 2019 1885

بقلم الأستاذ الدكتور/ جلال الدين محمد صالح
يعد التصوف بسلوكه التربوي أكثر من عمّ وانتشر في بلدان العالم الإسلامي، ومنذ أن صار له وجود وظهور، صار له خصوم يعادونه، وصار له شيوخ ومريدون يوالونه، وتباينت منه المواقف نفورًا ونزوعًا، ولا تند إرتريا وبلاد الحبشة بصفة عامة عن التأثير الصوفي، فما عرفت الإسلام إلا عن طريق التصوف والبيوتات التي حملته وتوارثته. ومن أبرز طرقه وأشهرها الطريقة المرغنية الشهيرة بالختمية، حيث كان لها بروز ونفوذ بين العامة والخاصة، يعظمون رجالها، ويلتزمون أورادها في الذكر، ويحفظون قصائدها في المدائح النبوية، ويشدون الرحال إلى مزاراتها، في حلويات تقام، حيث ضريح السيد هاشم الميرغني في مصوع، والسيد بكري الميرغني في كرن وهذه الزيارات مع ما كان فيها من مخالفات شرعية، وممارساته شركية، مثلت مظهرًا من مظاهر التدين السائد حينها، وما كان المستعمر الغازي يرى فيه مهددًا سياسيًا، فما حظرها، ولا منعها، بل أدنى إليه سلالة البيت الميرغني، ليتخذ منهم سلمًا إلى كسب ولاء المجتمع وانقياده، إذ كانت السيدة علوية المرغنية صاحبة حظوة عند الايطاليين، ورافقت الجيش الإيطالي في زحفه إلى إثيوبيا، وكمْ تظاهر بالأسف والحزن الحاكم الإيطالي في إرتريا يوم وفاتها.

كذلك كان السيد بكري الميرغني في كرن، فهو من تزعم الرابطة الإسلامية، إلا أنه تخلى عنها بسبب خلاف ظهر بينه وبين بعض قاداتها، وأظنه الزعيم إبراهيم سلطان، وانحاز إلى حزب الانضمام المطالب بالإتحاد مع إثيوبيا، ثم ورثه ابنه السيد عبد الله المرغني رحم الله الجميع، وكانت له مكانته العلية عند حكومة الإمبراطور هيلي سلاسي. ويعود نسب هذه الأسرة إلى جدهم المؤسس الشيخ محمد عثمان المرغني، من مواليد الطايف، في الحجاز، قدم جده من بلاد ميرغنان فيما كان يُعرف بالاتحاد السوفيتي سابقًا، الجمهوريات الإسلامية.
تدعي أنها من البيت النبوي، تصل نسبها بالحسن العسكري، الإمام الحادي عشر عند الشيعة الاثني عشرية، عن طريق ادعاء ابن له هو علي بن الحسن العسكري، إلا أن المعضلة في هذا الانتساب، أن الحسن العسكري، كان عقيمًا باجماع مؤرخي الإسلام المعتمدين، كالطبري، وابن كثير، كما ذكر ذلك الذهبي، في كتابه سير أعلام النبلاء، ووزعت تركته بين أمه وأخيه جعفر.

وعند الشيعة الإثني عشرية له خلف ولد وغاب، وما زال، اسمه محمد بن الحسن العسكري، وهو المهدي المنتظر.
قدم الشيخ محمد عثمان الميرغني -رحمه الله- إلى أرض البجة في إرتريا حاليًا والسودان مبعوثًا من شيخه أحمد ابن إدريس في مكة المكرمة، ودعا الناس إلى الإسلام فأسلم على يديه خلق كثير، وتطرقوا بطريقته في إرتريا والسودان، وهذا خير كثير، مهما خالط الإسلام الصوفي من البدع والشركيات ما يتنافى مع حقيقة التوحيد والسنة، وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ما معناه: وقد ذهب جماعة من الرافضة، والجهمية إلى بلاد الكفر، يدعون إلى الإسلام، فأسلم على أيديهم خلق كثير، وهذا خير من أن يبقوا كفارًا.

ولأن اليوم يواجه الإسلام تكالبًا من الأعداء باسم محاربة التطرف أضحى التصوف البديل المناسب عند الساسة الغربيين ومن على شاكلتهم في دار الاسلام، حتى ينصرف الشباب عن ما أطلقوا عليه (الإسلام السياسي) ممثلًا في دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب، والإمام الشهيد حسن البنا، والشهيد سيد قطب، رحم الله الجميع.

وفي هذا السياق من التخطيط والتدبير في مواجهة الإسلام الحركي، يعمل نظام أفورقي في ترتيب علاقته بالإسلام والمسلمين، إذ أخفى عددًا من الدعاة وطلابهم في السجون، إلى جانب التعبئة المضللة التي ظل يقوم بها ابن المفتي السابق، ونائب الافتاء الحالي ضد الوهابية والوهابيين، مشددًا على انعاش التصوف بانعاش الطريقة الختامية، وفي هذا أنشأ فرقة انشادية تكونت من ما أُطلق عليه شباب الختمية، ينشدون قصائد الميرغني في المناسبات الدينية، وهم شباب صغار يافعون، من حقهم أن يتعرفوا على الدين بعيدًا عن الأحداث والابداع، لكن لغرض سياسي يربون على الخرافة والدروشة، ويعزلون عن العقلانية والمرشد الديني كما سنه المصطفى -عليه السلام- ولأن رابطة علماء إرتريا كيان دعوي جامع لكل المسلمين في إرتريا، عليها أن تنهج خطًا حذرًا متوازنًا في بيان السنة من البدعة، والحق من الباطل، وأن تعمل في ترشيد التصوف وتهذيبه، بيانًا للحق، ضمن استراتيجية دعوية، لها أولياتها، وخطابها الحكيم.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *