كيف نستقبل رمضان

4 مايو 2019 154

بقلم الدكتور/ حسن سلمان
خلق الله الإنسان والمكان والزمان وسائر الأكوان وفاضل بينها كينونة و رفعة ومقاما قال تعالى: (وربك يخلق ما يشاء ويختار) القصص/68 ومن المفاضلة في الزمان تفضيل شهر رمضان على سائر الشهور فهو شهر الصيام والقيام والقرآن والذكر والصدقات وصلة الأرحام وفيه ليلة خير من ألف شهر ونحن على أعتاب شهر رمضان المبارك نحتاج لوقفة مع النفس وتهذيبها ووقفة مع الوقت لترتيبه ليتم الإفادة القصوى من هذا الشهر الفضيل قال تعالى : ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) البقرة/185

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) رواه البخاري ومسلم
وحقيقة الصيام في الشرع : ( عبارة عن ترك الأكل والشرب والوطء-الجماع- من الصبح إلى المغرب مع النية ) ومقصود الصيام  الأسمى هو تحقيق التقوى والتجرد لله تعالى ومراقبته قال تعالى :

( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ) البقرة/183

وحتى يحقق الصيام غايته ومقصده لا بد من استقباله والسير معه خلال الشهر وفق خطوات منتظمة ومدروسة ومراد منها الوصول للغاية الأسمى من الصيام ونتناول بعض النقاط للتذكير والتنبيه :

أولا:  الصيام فريضة شرعية وركن من أركان الإسلام يجب على كل مسلم ومسلمة مكلف (العقل والبلوغ ) ولا يجوز التهاون فيه بحال لأن التهاون فيه يعرض صاحبه للإثم المؤدي للعقاب والجزاء الأخروي مع الجزاء الدنيوي الموجب للقضاء والكفارة .

ثانيا: الإخلاص والصواب  شرطا قبول كافة الأعمال ومنها الصيام والمراد بالإخلاص أن يكون المقصود بالعمل وجه الله تعالى لقوله تعالى (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين)البينة/5  والمراد بالصواب أن يكون على وفق هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أي يتابع فيه المكلف طريقته وسنته إجمالا وتفصيلا لقوله عليه الصلاة والسلام ( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ) متفق عليه .

ثالثا: الجاهزية والاستعداد لشهر رمضان وذلك بالتفرغ له بحسب الإمكان وألا يكون رمضان كسائر الشهور ولا يعني ذلك بطبيعة الحال التخلي عن الاعمال الدنيوية بقدر ما يعني كسب الأوقات الضائعة بعد أداء أعمالنا التي تصلح بها حياتنا الدنيوية فهناك الكثير من الأوقات المهدرة التي نحتاج لكسبها في حصد الحسنات ومحو السيئات ومن كمال الجاهزية التخطيط لرمضان في كيفية الاستفادة منه وتحقيق أكبر قدر من العلم النافع والعمل الصالح.

رابعا : العفو والصفح والتسامح لأن شهر رمضان محل لنقاء النفوس والقلوب ولا يصلح أن نستقبله بالبغضاء والتخاصم والعداوات لأن نقاء الروح وعلوها وصعودها ونورها يأبى تلك الظلمات المتراكمة بعضها فوق بعض والتي هي حالقة الدين  كما جاء في الحديث ( دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء هي الحالقة لا تحلق الشعر ولكن تحلق الدين والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أنبئكم بما يثبت ذلك لكم أفشوا السلام بينكم ) أخرجه الترمذي

خامسا : التوبة الصادقة من الذنوب والمعاصي والسيئات كبيرها وصغيرها فرمضان شهر التوبة والغفران فاغتنم ذلك فيما بينك وبين الله وتحلل من حقوق العباد بحسب الإمكان ولا تجعل للشيطان عليك سبيلا .

قال تعالى : ( وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون) النور/ 31

سادسا: اجعل نهارك صياما وتلاوة وانفاقا وصلة رحم ونشر الخير بين الناس واجعل ليلك قياما و دعاءً وتفكرا وتأملا  وذكرا فالخلوة الليلية تجعلك في مناجاة وقرب وخفية مع الله فاغتنمها ومحور العمل في رمضان هو صيام النهار وقيام الليل إيمانا واحتسابا .

سابعا: حسن الخلق هو تاج العابدين والصائمين ورمضان يعلمنا كيف نضبط انفعالاتنا النفسية كما ضبطنا غرائزنا الجسمية والجسدية ولا خير في من منع نفسه الطعام والشراب والوطء ولم يمنع لسانه من السباب والشتم واللعن وفحش القول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذ ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله أحد فليقل: إني أمرؤ صائم ) رواه أحمد .

ثامنا:  المداومة والاستمرار:  والعبرة في الأعمال في دوامها وإن قلت وليست في كثرتها المنقطعة فاحرص أخي المسلم على الأعمال التي تستمر لفترة طويلة وتألفها مع الوقت

وقد يجد الإنسان مشقة في أول الأمر ولكن مع المجاهدة والمداومة يألف العمل ويحبه ويعان عليه من الله تعالى كما قال ابن القيم رحمه الله : (لا يزال المرء يعاني الطاعة حتى يألفها ويحبها، فيُقيض الله له ملائكة تؤزه إليها أزاً، توقظه من نومه إليها، ومن مجلسه إليها) وقد يصيب العبد فتورا من بعض الأعمال فعليه بما يطيق من العمل كما جاء في الحديث ( يا أيها الناس خذوا من الأعمال ما تطيقون إن الله لا يمل حتى تملوا وإن أحب الأعمال إلى الله ما دام وإن قل ) رواه البخاري وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ( إن للنفس إقبال وإدبار فإن هي أقبلت فاستكثروا من النوافل وإن هي أدبرت فألزموها الفرائض ) مدارج السالكين .
وقال تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) العنكبوت/69
وخلاصة القول فالمطلوب أن نستقبل رمضان بقلوب مؤمنة ونفوس طيبة وعقول مستنيرة ورؤية واضحة لكيفية الاستفادة من هذا الشهر المبارك بما يحقق مراد الشارع و مقصوده من الصيام وأن يكون مقصود المكلف من الصيام موافقا لمقصود الشارع لا مناقضا له بأي حال من الأحوال .

والحمد لله رب العالمين

يوجد تعليق واحد

  1. عبدالرحمن عمر

    بارك الله فيك شيخنا الدكتور حسن كفيت ووفيت

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *