الدعاء هو العبادة

15 مايو 2019 61

بقلم الدكتور/ حسن سلمان

خلق الله الإنسان وسخر له ما في السموات والأرض جميعًا منه وكان التسخير مقابل التكليف تحقيقًا للعبادة والعمران قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات /56]
(وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) [النحل /36]
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) [البقرة /21]
(وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) [النساء /36]
ومهمة جميع الرسل تلخصت في مقولة:
(يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ) [الأعراف /59]

وجوهر التعبد هو إقامة الصلة القلبية المصحوبة بالحب والخضوع والطاعة والانقياد ويعتبر الدعاء جوهر العبادة من هذه الزاوية وقد ورد في القرآن ما يدل هذا المعنى في قوله تعالى: (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا) [مريم /48] وهنا نجد المقابلة بين (تَدْعُونَ) (يَعْبُدُونَ) وفي البيان النبوي نجد التأكيد على ذات المعنى في قوله عليه الصلاة والسلام عن النعمان بن بشير -رضي الله عنه-: (الدعاء هو العبادة ثم قرأ “وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ” [غافر /60] رواه أبوداود والترمذي وابن ماجة

والدعاء الوارد في القرآن يشمل دعاء الذكر من تحميد وتهليل وتمجيد ودعاء المسألة بأن يسأل العبد ربه قضاء الحاجات وكشف الكربات وكل ذلك يجتمع في الصلاة؛ لأن أساسها الدعاء ذكرًا ومسألةً مع زيادة السجود والركوع المعبر عن التذلل والخضوع لله تعالى وهي للذكر أقرب (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) [طه /14]
(وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ)العنكبوت/45 ولأن الصلاة جامعة للدعاء بشقيه قال عنها الشارع ( من تركها فقد كفر)  .

وكما أمر الله بالدعاء وعد كذلك بالإجابة (أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ) [البقرة /186]
ولكن على العبد ألا يتعجل الجواب لقوله (صلى الله عليه وسلم)

(ما لم يتعجل) والاجابة على ثلاث أحوال :
1- أن يستجيب الله للداعي دعاءه ويقضي حاجته كما سألها .
2- أن يصرف عنه من السوء والشر بقدره فكم من دعوات للعبد صرفت بها عنه مصائب وكوراث وهو لا يدري أو يصاحب القدر لطف الله عند نزوله كما ثبت في الحديث (الدعاء يرد القضاء) السيوطي في الجامع الصغير وهو من باب مدافعة الأقدار الكونية بالأقدار الشرعية.
3- أن يدخر الله للعبد الدعاء ويجعله من حسناته في الآخرة فيجدها يوم القيامة وهو أحوج ما يكون إليها فيفرح بها ويعلم أن اختيار الله للعبد خير من اختياره لنفسه وأن الله لطيف بعباده (فما حرمك إلا ليعطيك) .

ودليل ذلك ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم عَنْ أبي هريرة أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قال: (يُسْتجَابُ لأَحَدِكُم مَا لَم يعْجلْ: يقُولُ قَد دَعوتُ رَبِّي، فَلم يسْتَجبْ لِي) [متفق عليه]
وفي رِوَايَةٍ لمُسْلِمٍ (لا يزَالُ يُسْتَجَابُ لِلعَبْدِ مَا لَم يدعُ بإِثمٍ، أَوْ قَطِيعةِ رَحِمٍ، مَا لَمْ يَسْتعْجِلْ قِيلَ: يَا رسُولَ الله وما الاستعجال؟ قال يَقُولُ: قَدْ دعَوْتُ، وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَم أَرَ يَسْتَجِيبُ لي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْد ذَلِكَ، ويَدَعُ الدُّعَاءَ)

وعن أنس بن مالك: ما من مسلم دعا الله تبارك وتعالى إلا أعطي بها إحدى ثلاث: إما أن يعطى كالذي سأل وإما أن يدخر له في الآخرة وإما أن يصرف عنه من الشر بقدرها) [أخرجه العقيلي]

وعلى المسلم اجتناب موانع إجابة الدعاء من أكل الحرام وقطع الأرحام وترك الذنوب والسيئات والمعاصي والتعجل في الإجابة وترك الدعاء لذلك وألا  يشتمل الدعاء إثما وأن يكون الدعاء بحضور قلب وشهوده مع استشعار القرب من الله تعالى ومن لطائف الدعاء في القرآن الكريم في استشعار القرب مراعاة الألفاظ الدالة على القرب فمثلا لا نجد دعاءً مفتتح ب(ياء) النداء للبعيد (يا رب / يا الله) بل نجدها بصيغة (ربنا) (رب) …إلخ

وهذا الاستشعار للقرب هو الوارد في قوله تعالى:
(وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون)
[البقرة / 186]
وقوله تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) [الأعراف /55]
وقوله تعالى:(وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا) [الإسراء/ 110]

وخلاصة القول فإن الدعاء هو أساس الصلة في علاقة العبد بربه اعترافا بوجوده و  خالقيته وربوبيته وألوهيته واستسلاما وخضوعا وتضرعا له سبحانه وهو التوحيد الخالص لله تعالى ولا يجوز صرفه لغير الله لأن هذا من الشرك بالله وهو شرك الدعاء والمسألة ويستشعر المسلم في الدعاء القرب من الله  ولا يتعجل الإجابة ويعلم يقينا أنه بدعائه وسؤاله لربه فهو مجاب الدعاء سواء عجل له الجواب أو أخر كما يراع المكلف أداب الدعاء ويتجنب موانع الاستجابة ونسأل الله التوفيق والسداد.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *