المصطلحات ومنطق القوة

7 مايو 2020 314

تنبع المصطلحات العلمية والمعرفية وغيرها من خلال المواضعة بين أهل فن معين ثم تروج وتنتشر بين الناس وترتكز على منظومة من الخلفيات المعرفية السائدة في مكان أو أمة ما فإذا امتلكت القوة والقدرة على الانتشار تحول لمصطلح عام يتجاوز الحدود المكانية والمعرفية حتى لو تناقض مع الأرضيات المعرفية الأخرى لأن القوة تفرض نفسها بطبيعة الحال والمغلوب مولع دومًا بتقليد الغالب على – حد تعبير ابن خلدون – والمصطلحات عند انتقالها والتأثر بها يغيب عند الكثيرين الخلفيات والجذور المعرفية التي نشأت في ظلالها ويتم تسويقها بعيدًا عن تلك الظلال والجذور فمثلًا نجد كثيرًا من المصطلحات الرائجة والشبهات المثارة حول الإسلام وشريعته ليس منبعها صحة المصطلح وسلامته وقوة الفكرة التي يحملها ولكنه الضعف العام للأمة وهيمنة ثقافة الغالب وليس منطقية طرحه وقوة حجته وسلامته من المآخذ فالغرب القوي يبسط قيمه مهما كانت بمنطق القوة لا قوة المنطق فالإرهاب مثلًا  ليس له تعريف ومعيار ثابت ومحدد بحسب القوانين الدولية المعترف بها في المؤسسات الدولية القائمة بل يحدده القوي عندما تهدد مصالحه وتضرب أهدافه واستراتيجياته الاحتلالية فمثلًا كل مقاوم للاحتلال إرهابي ولو لم يقتل أحدًا وكل مجرم وطاغية قاتل لشعبه ليس إرهابيًا مادام بقاء نظامه يتطلبه منطق المحتل ومصالحه ولو أن القوى الدولية رأت تغيير تصنيف طرف كان موسومًا بالإرهاب واقتضت المصالح حذفه من قائمة الإرهاب لرأينا العالم العربي والإسلامي بمؤسساته السياسية والدينية يؤيدون ذلك ويفتون بشرعيته والشواهد كثيرة بل يمكن القول بأن الظاهرة المسماة بالإرهاب كثيرًا ما يتم صناعتها أو توظيفها لأغراض سياسية وهو مشاهد ومعلوم.

وعمومًا فالضعيف لا مكان له في عالم الأقوياء مهما قويت حجته وتضافرت بيناته لأن الضعف مانع من موانع الفقه  قال تعالى حكاية عن قوم شعيب (قَالُوا۟ یَـٰشُعَیۡبُ مَا نَفۡقَهُ كَثِیرࣰا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَىٰكَ فِینَا ضَعِیفࣰاۖ وَلَوۡلَا رَهۡطُكَ لَرَجَمۡنَـٰكَۖ وَمَاۤ أَنتَ عَلَیۡنَا بِعَزِیزࣲ) [هود 91] كما أن قريشًا لم تستوعب دعوة الإسلام عندما كان ضعيفًا وأنصاره مطاردون ومشردون في كل مكان بل وأُخرِج النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه إخراجًا من ديارهم وهاجروا للمدينة وهناك تم تأسيس القوة والدولة ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح  بعشرة آلاف من المسلمين مدججين بالسلاح وحينها استوعبت قريش الدرس لما كان الحق مدعومًا بالقوة

 قال تعالى:

(لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَیِّنَـٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَـٰبَ وَٱلۡمِیزَانَ لِیَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَنزَلۡنَا ٱلۡحَدِیدَ فِیهِ بَأۡسࣱ شَدِیدࣱ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِیَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن یَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلۡغَیۡبِۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِیٌّ عَزِیزࣱ) [الحديد 25]

وعليه فالمطلوب من المسلمين ليس الجدل الفارغ مع الأعداء المتغلبين حول ثوابت شريعتنا بل بناء القوة التي تخرج الأمة الإسلامية من وهنها وضعفها وحينها يكون الاستيعاب والفهم لكثير مما نحاول تبريره أو التخلص منه أو التنازل عنه في ظل الهزيمة النفسية لكثير من نخبنا ومثقفينا.

إذن كما أن التاريخ يكتبه القوي والمنتصر وصاحب السلطان فالمصطلحات يحددها الغالب ويروج لها المغلوب بحكم الولع بتقليد الغالب كم تقدم.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *