الدين النصيحة

23 أكتوبر 2020 141

بقلم الدكتور/ حسن سلمان

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعد ه .

عن تميم الداري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الدِّينُ النَّصِيحَةُ ثلاثا ) قُلْنا: لِمَنْ؟ قالَ: (لِلَّهِ ولِكِتابِهِ ولِرَسولِهِ ولأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وعامَّتِهِمْ) رواه مسلم وغيره

وقد نقل ابن رجب عن أبي داود(  أن هذا الحديث أحد الأحاديث التي يدور عليها الفقه ) جامع العلوم والحكم/ 215.

الإسلام رسالة تقوم على إصلاح النفس وتزكيتها وحب الخير للناس ويكون ذلك ببذل المعروف والنصح للغير كما تحبه لنفسك وذلك من عوامل النجاة والفلاح الأخروي قال تعالى: (﴿وَٱلۡعَصۡرِ *إِنَّ ٱلۡإِنسَـٰنَ لَفِی خُسۡرٍ *إِلَّا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَتَوَاصَوۡا۟ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡا۟ بِٱلصَّبۡرِ ﴾ العصر ١-٣].

وفي الحديث الذي سبق ذكره جعل النبي صلى الله عليه وسلم (الدين النصيحة ) فإذا خلا الدين من النصيحة فقد معناه وجوهره وعماده وهو مثل قوله عليه الصلاة والسلام( الحج عرفة ) النسائي والترمذي وابن ماجه  والمقصود عماد الحج عرفة فمن فاته الوقوف بعرفة فقد فاته الحج كله لأن عرفة جوهر الحج ولا معنى للحج دون عرفة ولو توفرت بقية الأركان والشروط .

( وَمَعْنَى الْحَدِيثِ: عماد الدين وقوامه النصيحة ) “شرح النووي على مسلم (37/ 2)

معنى النصيحة:

  نقل الإمام ابن رجب عن الإمام الخطابي تعريفا للنصيحة في كتابه ( جامع العلوم والحكم ) وهو قوله( النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح له قال: وأصل النصح في اللغة الخلوص يقال نصحت  العسل إذا خلصته من الشمع ) ص/ 219

ونقل ابن رجب في ذات الكتاب عن محمد بن نصر المروزي تفسيرا للنصيحة في كتابه( تعظيم قدر الصلاة ) حيث قال( قال بعض أهل العلم: جماع تفسير النصيحة هو عناية القلب للمنصوح له من كان وهي على وجهين: أحدهما فرض والآخر نافلة ) ص/ 220

وقال أبو عمرو بن الصلاح: ( النصيحة كلمة جامعة تتضمن قيام الناصح للمنصوح له بوجوه الخير إرادة وفعلا ) صيانة صحيح مسلم /ص/ 223_ 224

حكم النصيحة وأهميتها:

اتفق العلماء على أنها واجبة ولكنهم اختلفوا  في نوع فرضيتها ووجوبها ؛ فذهب بعضهم إلى أنها فرض عين، وذهب البعض الآخر إلى أنها فرض كفاية 

والدليل على وجوب النَّصِيحَة: قوله صلى الله عليه وسلم كما في الحديث المذكور ((الدين النَّصِيحَة…)) 

وما ورد في حديث جرير بن عبدالله رضي الله عنه ، حيث قال:

 ( بايَعْتُ رَسولَ اللَّهِ صَلّى اللهُ عليه وسلَّمَ على إقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، والنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ) رواه البخاري ، وغيره من الأحاديث

قال ابن بطال في شرح صحيح البخاري ( 1 / 129 ) : ( النَّصِيحَة فرض يجزئ فيه من قام به ، ويسقط عن الباقين . قال : والنَّصِيحَة لازمة على قدر الطاقة إذا علم الناصح أنه يقبل نصحه ، ويطاع أمره ، وأمن على نفسه المكروه ، فإن خشي على نفسه أذى فهو في سعة ) وخلاصة كلامه أن النصيحة فرض كفاية تسقط عن البعض بالبعض أي إذا قام بالنصيحة بعض الناس سقط الواجب عن الباقين .

و للنَّصيحة أهمية عظيمة في دين الإسلام، وتظهر أهميتُها من خلال الأمور الآتية

أوَّلاً: أنَّها عِمادُ الدِّين وقوامه؛ لقوله – صلَّى الله عليه وسلَّم -: (الدِّين النَّصِيحَة).

ثانيًا: أنَّها وظيفةٌ من وظائف الأنبياء؛ فقد ذكر الله – تبارك وتعالى – في القرآن الكريم على لسان نوحٍ – عليه السَّلام – قولَه لقومه: ? أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ? الأعراف: 62 ، وقال سبحانه على لسان هود – عليه السَّلام -: ? أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ ? الأعراف: 68، وقال سبحانه على لسان صالِح – عليه السَّلام -: ? يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ ? الأعراف: 79، وقال سبحانه على لسان شعيبٍ – عليه السَّلام -: ? لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ ? الأعراف: 93… وهكذا هي طريقة كلِّ مَن سار على دربِهم من العلماء والأولياء، وسائر الصُّلَحاء.

ثالثًا: أن النبيَّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – أخذ البيعةَ عليها؛ فعن جَرِير بن عبدالله – رضي الله عنه – قال: “بايعتُ رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – على إقام الصَّلاة وإيتاء الزَّكاة، والنُّصح لكلِّ مسلم”؛ رواه البخاريُّ ومسلمٌ، فالنَّصيحة قرينةُ الصَّلاة والزَّكاة؛ ولذلك فقد أخذ النبيُّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – البيعةَ عليها

رابعًا: أنَّها دليلٌ على الخيريَّة، قال تعالى: ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) آل عمران: 110، فالنصيحة دليلٌ على خيريَّة القائمين بها، وعلى خيرية المستجيبين لها.

خامسا: النصيحة هي من الحقوق الشرعية بين المسلمين فمن أدى النصيحة فقد أدى حقا من الحقوق على أخيه المسلم ومن لم يقم بها فهو مفرط ومقصر وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث حق المسلم على المسلم  ( وإذا اسْتَنْصَحَكَ فانْصَحْ له) رواه مسلم.

لمن تبذل النصيحة؟

نص الحديث الوارد على الإجابة على السؤال أعلاه وهو السؤال المضمن في الحديث نفسه

( قلنا لمن ؟ )  وكان الجواب بشكل كافيا شافيا ومحددا لمن تبذل لهم النصيحة وهم على الترتيب التالي :  

 1/ النصيحة لله:
والنصيحة لله تكون بالإقرار بوجوده والإيمان به خالقا و ربا مدبرا متصرفا وإلها معبودا مطاعا ومحبوبا لاشريك له في ملكه وخلقه وحاكميته وعبادته وجماع ذلك كله تحقيق معنى كلمة ( لا إله إلا الله ) قصدا وإرادة وطاعة ودعاءً ومحبة ورغبة ورهبة وتوكلا وحمدا وثناءً وشكرا وسائر المقامات العظيمة في مدراج العبودية .

2/النصيحة للكتاب:
والكتاب المقصود هو كتاب الله ورسالته للعالمين والنصيحة له تكون بالإيمان والتسليم بأنه كلام الله تعالى ورسالته للعالمين  وقراءته وتلاوته وتدبره وحفظه والعمل به وتحكيمه في النفس والأهل والأقارب والمجتمع والدولة وعدم هجره ونسيانه ومزاحمته بالنظم والتشريعات الوضعية البشرية بل النصيحة للكتاب تعني أن  الكتاب بالنسبة للمكلف هو المرجعية التي يصدر عنها في كل تصوراته وتصرفاته لأنه كتاب الحق و الهداية والرشد والحكمة والرحمة والبشرى والإنذار وفيه تحقيق مصالح العباد في الدارين قال تعالى( وَیَوۡمَ نَبۡعَثُ فِی كُلِّ أُمَّةࣲ شَهِیدًا عَلَیۡهِم مِّنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَجِئۡنَا بِكَ شَهِیدًا عَلَىٰ هَـٰۤؤُلَاۤءِۚ وَنَزَّلۡنَا عَلَیۡكَ ٱلۡكِتَـٰبَ تِبۡیَـٰنࣰا لِّكُلِّ شَیۡءࣲ وَهُدࣰى وَرَحۡمَةࣰ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِینَ) النحل/ 89

3/ النصيحة للرسول:
والنصيحة للرسول تعني الإقرار والتصديق برسالته والتسليم والانقياد بأن ما جاء به هو الحق والهدى والنور وطاعته فيما أمر واجتناب ما نهى عنه وزجر و ألا نعبد الله إلا بالطريق الذي سلكه وبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحقيق محبته باتباعه ونصرته حيا وميتا والأدب معه في الخطاب وألا يقدم قول مخلوق على قوله  ولا هديا على هديه ( لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِی رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةࣱ لِّمَن كَانَ یَرۡجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلۡیَوۡمَ ٱلۡـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِیرࣰا) الأحزاب/21

 4/ النصيحة لأئمة المسلمين:
وأئمة المسلمين هم أهل العلم والدين وأهل السياسة والتدبير وهم ( أولوا الأمر ) المأمور بطاعتهم فيطاع أهل العلم فيما يصدر عنهم من بيان حكم الله في النوازل والتصرفات والرجوع إليهم فيما يشكل على الناس من الأحكام وتوقيرهم والأدب معهم وتمليكهم الحقائق التي من خلالها يصدرون الفتاوى ويبينون الأحكام الشرعية وكل ذلك من النصح لهم وهم ورثة الأنبياء وحملة الرسالة من بعدهم وهم خير هذه الأمة بعد رسولها وصحابته .

وأما أهل السياسة والتدبير فهم المقدمون بالشورى والاختيار لولاية أمر الناس وتدبير شؤونهم بما يقيم حياتهم على الحق والهدى والخير ورعاية المصالح فهم يطاعون في ذلك طاعة لله واستجابة لأمره بطاعتهم لقوله تعالى( یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَطِیعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِیعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِی ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَـٰزَعۡتُمۡ فِی شَیۡءࣲ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ الآخر ) النساء/59

والنصيحة لولاة الأمر من الحكام تكون بتقديم الأتقياء والصلحاء والأكفاء وأهل الأمانة والخبرة في كل مجال بحسبه وأن يكون المعيار الأساس هو( التقوى ) وليس المحسوبيات  والميل  لأهل الحزب والقبيلة والجهة والمذهب والصداقة والمنافع المتبادلة وهذا من باب أداء الأمانات إلى أهلها ومن النصيحة لأئمة المسلمين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة الخاصة فيما يكون محله التخصيص والنصرة على الحق والتعاون على البر والتقوى وطاعتهم في المعروف والوفاء ببيعتهم ولزوم جماعتهم والدعاء لهم بالتوفيق والهداية والرشد كل ذلك يندرج في النصيحة للأئمة وولاة الأمر .

5/ النصيحة لعامة المسلمين :

والنصيحة لعامة المسلمين هو من الحقوق الشرعية المبنية على الأخوة الإيمانية ويكون ذلك بحب الخير لهم كما تحبه لنفسك وإرشادهم لمصالحهم وبيان الخير لهم والتعاون عليه ونصرتهم على عدوهم والذب عنهم وتقويم الأخطاء التي تقع منهم وستر عوراتهم وسلامة الصدر من كل غل وحسد وشحناء وبغضاء نحوهم وقد كان رسول الله صلى عليه وسلم يبايع أصحابه بالنصح لكل مسلم ويدخل في ذلك الصدق والبيان وعدم الغش في كافة المعاملات وبمختلف الصور . ونسأل الله تعالى الصدق والإخلاص والنصيحة في الدين لكل من ذكر في الحديث إنه ولي ذلك والقادر عليه .

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *