الوحدة الإسلامية جدل التنظير والتطبيق محاولة لإعادة القراءة لخطابنا الشرعي

24 سبتمبر 2021 421

لا شك أنَّ مفهومَ الوحدة الإسلامية من أكثر المفاهيم تداولاً في الخطاب الإسلامي، ولكنَّهُ بالرغم مما يتميز به من ثراء معرفيٍّ على المستوى التصوري والدلالي في المصادر المعرفية الأصلية في الإسلام = الكتاب والسنة، نجد هذا المفهوم من أكثر المفاهيم ارتباكاً وقلقاً عند النُّخبة العَالِمة الإسلامية. وهذا يجعل سؤالاً من شَاكلة: هل الأصل عندنا هو التوحد أم التعدد؟ سؤالاً مُلحاً.

قبل الإجابة على هذا السؤال ينبغي أن نوضح أنَّ مفهومَ الوحدة الإسلامية ذو طبيعة شبكية متداخلة متعددة الأبعاد، وليس مفهوماً آحادي الأبعاد كما يتصور الكثير من نخبتنا الشرعية، فهو مفهوم يتمظهر في ثلاثة مستويات:

المستوى الأول : الوحدة كحالة شعورية يجسدها مفهوم الأخوة  في الخطاب المنزل قرآناً وسنة كما في قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) الحجرات /10، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى هاهنا – ويشير إلى صدره ثلاث مرات – بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام  دمه وماله وعرضه) أخرجه مسلم من رواية أبي هريرة رقم 2563 . فالوحدة وفق هذا المنظور تعبر عن الوحدة الشعورية متجاوزةً لواقع التعدد في التكوين البشري القائم على الشعوب والقبائل قصْدًا للتعارف لا التفاضل، كما هو واضح من هدايات القرآن (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) الحجرات / 13.

هذه الوحدة الشعورية نجدها أوضح ما تكون تمثلاً عند من تسميهم النخبُ بالعامة الذين لم تُكَدِرْ فطرهم الأيدولوجيات، بينما تتنازع النخب المثقفة بسبب التعصب الفكري والتنظيمي، بل الأدهى من ذلك، بل رُبُّمَا انتكستْ إلى جعل التكوينات الاجتماعية المبنية على رابطة الدم والعِرْق سبباً لهدم عرى الوحدة الإسلامية.

المستوى الثاني: الوحدة كحالة فكرية وثقافية، وهذه تقوم على مفهوم شرعي مركزي = مفهوم أهل القبلة، وهو مفهوم توحيدي مأخوذ من أنوار الهدي النبوي (مَن صلى صلاتَنا، واسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنا، وأكل ذبيحتَنا، فذَاكُمُ المسلمُ له ذِمَّةُ اللهِ، وذِمَّةُ رسولِه، فلا تُخْفِرُوا اللهَ في ذِمَّتِه) أخرجه البخاري في الجامع الصحيحمن رواية أنس بن مالكهذا المفهوم الشرعي الضابط للعلاقات بين المسلمين والمعبر عن وحدة المسلمين في إطار عقدي جامع يقوم على كليات التصور الإيماني دون التعمق في تفاصيله ودقائقه.

أمَّا المفاهيم الأخرى التي تشكل دوائر داخل دائرة الإسلام الجامعة، كمفهوم أهل السنة والجماعة = الإشكالي المتنازع عليه بين أهل القبلة، والذي يستخدم للتصنيف بين أهل القبلة، وفي الانتصار للمذاهب الكلامية التي نشأت بعد الفتنة الكبرى وما تلاها من تكون الفرق العقدية والكلامية، فلا أظنُّهُ يصلح كمعيارٍ تأسيسيٍّ في موضوع الوحدة الإسلامية.

لذا نجد الإمام أبا الحسن الأشعري324   هجرية قد التفت إلى هذا المعنى في كتابه الذي ألفه لتشريح حالة الاختلاف والتنازع في الأمة الإسلامية فاختار له عنوانا معبراً عن المعنى آنف الذكر = (مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين) نسبة للإسلام بضابط الصلاة والقبلة.

ومن الغرائب أنَّ هنالك من يرفع شعار = أهل السنة والجماعة، ولكنه في التطبيق العملي يَنْحُو إلى ممارسة قائمة على السنة دون جماعة، حيث نجد خطابه الفكري والثقافي قائمٌ على جمع كلمة المسلمين على تفاصيل العقيدة ومسائلها ذات الطبيعة الخلافية، ويجعلها معياراً لمعرفة الحقيقة والحق، وسبباً للولاء والبراء.

وفي ذات السياق وفي دائرة أضيق من مفهوم أهل السنة والجماعة في التعامل مع قضية الوحدة نجد هنالك إشكالية في التوظيف الفكري والسياسي لمفهومي = الفرقة الناجية / الطائفة المنصورة، والارتباك الحقيقي في التعامل معهما على المستوى التصوري والتنزيل الواقعي، مما أدى إلى خطابٍ قائمٍ على الطُهورية والشعور بالصفوية والتفوق على الآخرين، وجعل التصور العقدي المبني على الحجاج العقدي في جزئيات العقيدة وتفاصيلها، وبعض التقريرات الفقهية السياسية هو = الإسلام الخالص المصفى من شوائب الابتداع.

بينما مفهوم الوحدة في بعده الفكري / الثقافي مبناه على كليات الدين في الاعتقاد، ومقاصده الكلية ومعاقد الاجماع في التشريع، وتبقى اجتهادات العلماء (الفقه) مصدر ثراء وسَعة ورحمة من الله تعالى بعباده، وتبقى جزئيات العقيدة وتفصيلاتها الدقيقة مجالاً للتدافع الفكري والجدال بالتي هي أحسن.

ولعل القراءة الواعية والمحيطة لتراث شيخ الإسلام ابن تيمية (728) هجرية والذي جمع بين الجدال الكلامي مع الفرق الإسلامية، وتشريح انتاجها العقدي نقداً ونقضاً على المستوى النظري، وبين وضع قواعد جمع كلمة المسلمين على المستوى العملي هي خير زادٍ، مع الإفادة من الجهد التراكمي لعلماء الأمة في هذا المجال، قصداً لإثراء الفكر والوعي الوحدوي، ومعاكساً لاتجاه الخطاب الدعوي / الثقافي الذي يوظف التراث التيمي في تفريق كلمة المسلمين من طرفي أتباع ابن تيمية وخصومه على حدٍّ سواء.

وفي المقابل وجدتْ جماعة إسلامية كبرى اختزلتْ مفهوم الجماعة الشرعي والذي يدلُّ على مفهوم متعدد المستويات متداخل الدوائر كما نجد تفصيل تأصليه في كتاب الاعتصام للشاطبي 790) )هجرية، لتصبح هي الجماعة الأم = (جماعة المسلمين)، واستصحبت هذا التصور الاختزالي حين استبطنتْ أنَّها البديل لمفهوم الخلافة السياسي الإشكالي، وانعكس هذا التصور على بنائها التنظيمي ذي الطبيعة المركزية القابضة.

مما حولها وغيرها من الجماعات إلى جيوب داخل بنية المجتمع الإسلامي، وأداها إلى احتكار العمل الوظيفي للمجتمع دعوة ونفعاً عاماً، لا يخفى أنَّ هنالك مجهوداً نقدياً متقدماً لهذه الحالة من مفكرين داخل الجماعة إلا آنَّه كان نوعاً من التغريد خارج السرب، ومسلكاً مرفوضاً على المستوى التنظيمي، وربَّما أدى إلى الخروج عن الجماعة ومفاصلتها.

المستوى الثالث: مفهوم الوحدة كحالةٍ سياسيةٍ، وهذا المستوي إشكاليٌّ أيضًا، ومرتبطٌ ارتباطًا وثيقًا بالمستوي الذي قبله، لو تجاوزنا إشكالية القراءة العقدية للتاريخ الإسلامي والواقع السياسي، يمكن أنْ نلاحظَ أنَّ مشكلاتنا السياسية بدأتْ نواتها منذُ سقيفة بني ساعدة والتي كانت = أول اختبار سياسي للمسلمين بعد الفراغ الذي شكله غياب النبي صلى الله عليه ومسلم، إلاَّ أنَّ المسلمين تجاوزوها باختيار أبي بكرٍ الصديق، وكان هو الأولى بها لاعتبارات عدة:

  • الإشارات النبوية باختياره.
  • ماله من سابقة في الدين والإيمان والتصديق.
  • ما يتمتع به من قُدراتٍ قيادية وسياسية استثنائية.

بالرغم من أنَّهُ ينتمي إلى قبيلة تعتبر هي الحلقة الأضعف مقارنةً ببني هاشم وبني أُمية، فرسي الرهان في تاريخنا السياسي، وكان اختياره = فلتةً وقى الله شرها كما هو التعبير العُمَري، ثُمَّ كان انتقال السلطة إلى عمر بن الخطاب بالعهد من أبي بكرٍ الصديق باعتباره ترشيحًا أخذ شرعيته بموافقة أهل الحلِّ والعقد، وبيعة عامة المسلمين، كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية، ثُمَّ كانتْ العبقرية العُمرية التي ارتقتْ بالفكر السياسي الإسلامي بتطويره نظام الاختيار السياسي عبر المجلس السداسي الذي اختاره، والاحتياطيات والاجراءات التي صاحبتها من وجودِ المراقب المستقل = عبد الله بن عمر بن الخطاب، وسقف زمني لعملية الانتقال السياسي، وغير ذلك من تفاصيل نجدها في البداية والنهاية وغيره من كتب التاريخ.

كان عمر بن الخطاب هو صمامُ الأمان من الفتنة لكونه الباب المغلق الذي يُكْسَرُ كما في حديث حذيفة بن اليمان، بالإضافة إلى سياساته الحازمة التي منعتْ كبار الصحابة من الخروج من المدينة إلى بقية الأمصار.

ثُمَّ تولى الخلافة عثمان عفان – الخليفة الشهيد – وتمَّ اختياره بالإجماع كما قال عبد الرحمن بن عوف (إنِّي نظرتُ في أمرِ النِّاسِ فلم أرهم يعدلون  بعثمان) أخرجه البخاري من رواية المسور بن مخرمة، ولقد طالتْ فترة حكمه، ومرت السنوات الست الأولى بلا مشكلات، ثُمَّ كانت الست الأخرى التي كان فيها بدايات الفتنة والأزمة السياسية، والتي كان سببها كبر سنِّ عثمان، ووجود مروان بن الحكم الذي كان سببًا فيما أُخِذَ على عثمان كما قال الحافظ الذهبي  في سير أعلام النبلاء  (وكان كاتب ابن عمه عثمان، وإليه الخَاتم، فخانه، وأجلبوا بسببه على عثمان، وسار مع طلحة والزبير للطلب بدم عثمانَ، فقتل طلحة يوم الجمل، ونجا – لا نُجِي – ثُمَّ ولي المدينة غير مرة لمعاوية)، فكان التحول السياسي والمجتمعي الذي  صاحب فترة حكم عثمان – رضي الله عنه -،  ثُمَّ كان مقتل الخليفة الشهيد على يدي المتفلتين والدَّهماء، وفُتِحَ باب الفتنة والاقتتال الداخلي = واقعة الجمل وصفين، وكان انتهاء الخلافة الراشدة بعد مقتل علي بن أبي طالب، والصفقة السياسية بين الحسن بن علي ومعاوية بن أبي سفيان المعروفة بعام الجماعة، وكانت هذه المرحلة المفصلية من تاريخنا  بداية نشوء الدول الإمبراطورية الوراثية القائمة على الأَثِرَة والتي افتتحتْ بتوريث معاوية ابنه يزيد = نقضًا لعرى الدين ممثلة في الحكم كما في حديث (تُنتَقَضَنَّ عُرى الإسلامِ عُروةً عُروةً، فكُلَّما انتَقَضَت عُروةٌ تَشَبَّث النَّاسُ بالتي تليها، فأَوَّلُهنَّ نَقضًا الحُكمُ، وآخِرُهنَّ الصَّلاةُ) صحيح الجامع للألباني 7214  ، واستمرت الأنظمة السياسية الموسومة  بالجبرية والملك العضوض، تخللتها ثورات آل البيت – لدفعِ تغول بني أُمية على السلطة ترغيبًا وترهيبًا – وانتهتْ هذا الثورات ومن قامَ لنصرتها = ثورة أهل المدينة / ثورة القُراء/ ثورة التوابين بسبب السلوك الدموي التي قام به ملوك بني أمية في تعاملهم مع ثورات السلف الصالح، ممَّا وَلَّدَ فكرًا / فقهًا يتقبل فكرة التغلب طريقًا للسلطة، بل الأدهى أنَّها تحولتْ إلى مقولات ومفردات في الحجاج والجدل العقائدي / الكلامي، فكان تاريخنا السياسي يتراوح ما بين الدول الإمبراطورية في حالة القوة، والدويلات في حالة الضعف، مما انعكس على الجدل الفقهي تحت مسمى حكم تعدد الأئمة، مما يدل على أنها حالة سياسية كامنة في تاريخنا، وليستْ مجرد نتاج تقسيم سايكس – بيكو كما هو رائج في خطاب النخبة الإسلامية، وكذلك باعتباره نوعًا من التطور السياسي التاريخي أدى إلى نشوء الدولة القطرية الحديثة، علمًا بأن هذا التطور والتقسيم طالَ حتى الدول الاستعمارية نفسها.

وهذا لا يعني تبني وتسويغ الدولة القطرية أو الرضا بحال الدويلات القطرية بقدر ما هو محاولة للنظر الموضوعي لفهم الواقع السياسي كما هو بعيدًا عن الفكر الرغائبي وهربًا من الوقوع في شَرَكِ العقل المستريح / المستقيل الذي يتكئ ويغرق في نظرية المؤامرة.

نخلص إلى نتيجة مفادُهَا أنَّ حالة التعدد السياسي واقع تاريخي، اختلف فيه النظر الفقهي قبولًا ورفضًا، تعليلًا وتحليلًا، وهو في المقابل واقعٌ سياسيٌّ في عصرنا ينبغي الانطلاق منه للوصول لفكرة الوحدة السياسية كهدفٍ مشروعٍ لأي أُمةٍ من الأمم، ولكن ليس عن طريق التصور الاختزالي الساذج للخلافة كما هو في المخيال السياسي عند كثيرٍ من الإسلاميين.

وفي هذا الصدد يمكن التذكير ببعض المحاولات لقراءة هذا الموضوع، ومحاولة إيجاد تصورات واقعية لدراسة النماذج الواقعية لفكرة الأمة الجامعة على المستوى السياسي، كما هو الحال في فكرة الكومنولث الإسلامي عند مالك بنى نبي، وفكرة الخلافة كعصبة أُمم التي طرحها القانوني الدُّستوري الضليع عبد الرزاق السنهوري في أُطروحته للدكتوراه.

لهذا نؤكد علة أنَّ الواقعية السياسية ضرورية للخروج من المفهوم التاريخي المتخيل للخلافة، والذي أنتج نماذج كارثية = داعش وأخواتها

ويبقى من الضروري في ذات السياق فهم مفهوم الولاية القرآني وعلاقاته مع المستويات الثلاثة لمفهوم الوحدة الإسلامية وعلاقته بجدل التوحد والتعدد الذي طُرِحَ تساؤلًا في مفتتح هذا المقال نجد الولاية كمفهوم قرآني يجسده مبدأ الأخوة الإسلامية كما أسلفنا في المستوى الشعوري، وهو كذلك على المستوى العقدي والإيماني يتمظهر في مبدأ الولاء والبراء، وهذا بلا شك قائمٌ على التوحد لا التعدد، لأنَّهُ مبنيٌّ على فكرة  توحيدية خالصة قِوَامُهَا المعبود الواحد، وهو مقتضى الشق الأول من الشهادتين (شهادة أنْ لا إله إلا الله)، والمتبوع الواحد  مقتضى الشق الثاني من الشهادتين (وأنَّ محمدًا رسولُ الله)، ويرمزُ لهذه الدلالات التوحيدية بعدد من الشعارات والشعائر الدينية = الأذان / القبلة / الصلاة / الحج وغيرها.

أمَّا ما يتعلق بتنزيل مفهوم الولاية القرآني على المستوى السياسي فهو محل النظر والإشكال – من وجهة نظري – وذلك لأنَّ هذا المستوى مبناهُ النظري على الكليات التشريعية ومقاصد الشريعة العامة والخاصة، أمَّا عند التطبيق والتنزيل فهو مجالٌ واسعٌ للتعدد في الفكر والاجتهاد، ويكون تنزيلها على مفهوم التوحد والتوحيد محل الإشكال والاختلاف، وهذا الاختلاف لا يجعلنا  نقول بأنَّ الكلام عن الوحدة الإسلامية لا معنى له؛ لكونه  من معاقد الإجماع على المستوى الشعوري والتصوري تحت إطار مفهوم أهل القبلة = باعتباره إطارًا لمعالجة الاختلاف في الجانب السياسي لتكون الوحدة في المستوى الثالث = تعدد في إطار الوحدة.

يبقى هنا الإشارة إلى خوارم الوحدة الإسلامية ونواقضها، وإجمالها في أسباب تعود إلى اعتبارين:

  • أسباب ذاتية ترجع إلى الطبيعية النفسية للإنسان الأَمَّارة بالسوء وما يعتريها من نقصٍ وأثِرَةٍ وأنانية وهو ما يمكن توصيفه بالأزمة الأخلاقية.
  • أسباب موضوعية ترجع إلى مشكلات التصورات الذهنية والفكريةالتي تحصر الإسلام في مقولاتها الفكرية الأيدولوجية، فتصبح تلك الأفكار القاتلة والمميتة عاملًا من عوامل هدم الوحدة الإسلامية رغم ما ترفعه من شعارات الوحدة حسب تصوراتها.

خاتمةُ القول وزُبْدَتُهُ:

أنَّ الخطاب المُنَزَّل كتابًا وسُنَّةً فيما يتعلق بالوحدة الشعورية والتصورية موفورةٌ دلائلها = أمرًا بالاعتصامِ، وتكليفًا بوِلاية المسلمين بعضهم بعضًا، وهو الأساس المكين الذي يرتكز عليه مفهوم الوحدة الإسلامية، أمَّا ما يتعلق بالوحدة السياسية وتمظهراتها فهو من باب الخطاب التأويلي للشرع المنزل بناءً على تصورات ذهنية مسبقة، أو نماذج متخيلة، أو تفسيراتٍ سياسة ٍللتاريخ الإسلام بأثرٍ رجعيٍّ على النَّصِ المنزل.

وأما ما يستدل به من أحاديثً عن الخلافة على منهاجِ النُّبُوةِ، رغم الإشكالات عليها من حيثُ الصِناعةِ الحديثية، فهي تتحدثُ عن العودةِ إلى منهاج الرُّشْدِ السياسي الذي تجسد في السياسية النبوية، والتطبيق البشرِيِّ في الخلافة الراشدة، على مستوى جعل الاختيار والرضا أساسًا للعقد السياسي، وجعل الأمانة والقُوة (القدرة السياسية) معيارًا للولاية السياسية، وكذلك العدل في القَسْمِ والحُكْمِ، ولا تتحدث عن الجانب الإجرائي والشكلي = شكل النظام السياسي وطبيعته، وذلك لأنَّ المجال السياسي هو من جنس النشاط البشري مبناه على إدارة التعدد باعتباره طبيعة بشرية أقرها الشرع الحكيم وهَذَّبَها.

هذه سوانحُ فكرية تناقش فكرة الوحدة الإسلامية بين الثراء المعرفي والعجز التطبيقي، ما كان منها صوابٌ فهو من توفيق الله وتسديده، وما كان منها من خطلٍ أو زللٍ فهو نتاج العجز والتقصير وقِلَّةِ البِضَاعة.

كتبه : صالح سعد
Salihsaad1@hotmail.com

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *