أوهام العقل

7 أغسطس 2022 656

بقلم الدكتور/ حسن سلمان
العقل منحة وهبة من الله تعالى للإنسان وعليه مدار التكليف وبه تكون معرفة صدق الرسول والرسالة وهو من أدلة الشرع باعتبار الأدلة الشرعية قسمان (نقلية وعقلية) كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية فالعقل ليس مناقضًا للشرع ولا قسيما له وقال: (نحن نعلم أن الرسل لا يخبرون بمحالات العقول) [درء تعارض العقل والنقل 1/83].

ويؤكد ذات المعنى الإمام ابن حجر في كتابه شرح نخبة الفكر حيث يقول: (ومن القرائن التي يدرك بها الوضع ما يؤخذ … من حال المروي كأن يكون مناقضا لنص القرآن أو السنة أو الإجماع القطعي أو صريح العقل)  ولكن كل من العقل والنقل يسرح في مجاله وميدانه كما يقول العلامة الشاطبي في كتابه الموافقات: (إذا تعاضد النقل والعقل على المسائل الشرعية فعلى شرط أن يتقدم النقل فيكون متبوعا ويتأخر العقل فيكون تابعا فلا يسرح العقل في مجال النظر إلا بمقدار ما يسرحه النقل) بينما يجعل شيخ الإسلام ابن تيمية مسألة التقديم والتأخير مدارها على القطعي منهما فما كان قطعيا فحقه التقديم وما كان ظنيا فحقه التأخير ناقضا بذلك القانون الكلي عند الإمام فخر الدين الرازي في كتابه (أساس التقديس) الذي أسس لتقديم العقل على النقل عند التعارض بينهما وقد فند شيخ الإسلام الرد مفصلا في كتابه الموسوعة درء تعارض العقل والنقل بما لا مزيد عليه فاتحا الباب للخروج عن منهجية أرسطو القياسية في المنطق وممهدا الطريق للمنطق التجريبي الذي تطورت من خلاله العلوم التجريبية في أوربا.

وبالرغم من مكانة العقل وأهمية التعقل في الشريعة (لعلكم تعقلون) ولكن عملية التعقل تحتاج التحرر من الأوهام والأباطيل والتخرصات والظنون والتقليد والهوى والتعصب وقد نصت الشريعة على كل ذلك وصولا للحقيقة المجردة سواء في عالم الغيب أو الشهادة وجعلت البراهين والبينات الساطعة هي الحاكمة كما أن هدايات الوحي المنزل موجهة لبوصلة العقل من الضلال والتيه والأوهام وكلما كان العقل مرتبطا بالوحي كان أكثر يقينا في منتجاته وعلومه وأكثر عدلا في أحكامه وذلك لأن الوحي يوفر الكليات المرجعية للعقل كما يعينه على الجزئيات التفصيلية

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن أهمية وجود الأصول و الكليات الضابطة للجزئيات سواء كانت نقلية أو عقلية (لا بد أن يكون مع الإنسان أصول كلية ترد إليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعدل ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت؟ وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات وجهل وظلم في الكليات فيتولد فساد عظيم ) [الفتاوى /19-203].

نورد كل ما تقدم للتأكيد على أن الثقة المطلقة بالعقل ليست في محلها لأنه يتعرض للخطأ والوهم كثيرا في أحكامه ومخرجاته وحتى فلاسفة العقل التجريبي الغربيين يؤكدون على ذلك فهذا فرانسيس بيكون الفيلسوف البريطاني (1561/1626) ومن واضعي أسس المنهج التجريبي والملاحظة في الغرب وممن انتبهوا لعدم جدوى المنطق الأرسطي الذي يعتمد على القياس يتناول في كتابه البحث الجديد – أورجانون نوفا – أوهام العقل والعوامل المؤثرة فيه وذلك في النقاط التالية:
1/ أوهام القبيلة (الجنس/ النوع ) وهي تعبر عن الأخطاء التي يقع فيها الإنسان مسوقا بطبيعته البشرية ( تسرع – عجلة – ضعف – نسيان – خطأ – الهوى – المصلحة ) فيميل للفكرة التي تلائم هواه ( خرافات – باطل – وهم ) مهما كان.

2/ خيالات الكهف وهي تعبر عن الأخطاء التي يقع فيها الإنسان مسوقا بطبيعته الفردية التي تتضافر في تكوينه وتربيته وثقافته وأفكاره واعتقاداته مما لا يشاركه فيها كثير من الناس ( وهنا يأتي الاختلاف في الآراء والمواقف ويوقع ذلك في الأخطاء الكبيرة فيعمى الفرد عن الحقائق التي تتنافى مع أهوائه ونزعاته .

3/ خداع السوق وهي الأوهام التي تنشأ عن غموض في اللغة أداة التفاهم والتعبير عن الأفكار والمعرفة وسرعان ما تتحكم الألفاظ في تصور الناس للأشياء والمطلوب تحديد معاني الألفاظ حتى لا يقع البحث العلمي في السفسطة

4/ ألاعيب المسرح وهي الأخطاء التي يقع فيها الإنسان على وعي بسبب تسليمه بآراء الفلاسفة والمفكرين الذين أعجب بهم وهذا يعمي عن الحقيقة أحيانا ويصعب على صاحبه التخلي عن رأيه .

وهذه العوامل المؤثرة في أحكام العقل سماها بيكون ( أوثانا ) أي أن الإنسان يقف عاجزا عن مخالفتها متهيبا لذلك لأن موقفه منها أقرب للتقديس الذي يأسر القلوب والعقول . ومحصول القول فإن للعقل مكانته التي لا تنكر في التكليف والتفضيل الإنساني ولكن أيضا له أوهامه وأخطاؤه التي لا تجعلنا نسلم بكافة مخرجات العقل وأحكامه مما يحتاج الأمر تحقيق وتدقيق فيما يصدر عنه وخاصة فيما ليس من بدهيات العقول التي يسلم بها كافة العقلاء.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *