مع موسى وهارون عليهما السلام في ذهابهما إلى فرعون

18 أكتوبر 2022 499

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله الأمين .

أما بعد :

ولد موسى عليه السلام في بني إسرائيل، وكانوا في وضع مأساوي من ظلم فرعون، يُقَتِّلُ أبناءهم، ويستحيي نساءهم، ويسومهم سوء العذاب.

وقد أنقذه الله من مكر فرعون وكيده حين أنشأه في قصره، ثم اختاره نبيا مرسلا، وكلفه بالذهاب إليه ومعه أخوه هارون – عليهما السلام – ﴿‌اذْهَبَا ‌إِلَى ‌فِرْعَوْنَ ‌إِنَّهُ ‌طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ [طه: 43-44] والذهاب إلى فرعون ليس كالذهاب إلى غيره، وليس ذهابا كأي ذهاب، ولكنه ذهاب ثقيل برسالة تحريرية،  لا يطيق فرعون سماعها، فضلا من أن ينقاد لها، ومع ذلك كان القول اللين أهم خاصية في هذه الرسالة، فالغاية من إنذاره بها هدايته عن ضلاله.

وإدراكا منه لهذه الحقيقة طلب موسى من ربه شرح صدره لهذه المهمة الكبيرة، وتيسير أمره في مخاطبة رجل تحكم منه الاستكبار حتى بلغ به حد ادعاء الربوبية.

وآتاه الله سؤله ﴿ قَالَ قَدْ أُوتِيتَ ‌سُؤْلَكَ ‌يَامُوسَى (٣٦)﴾ [طه: 36].

وهذه هي طبيعة البشر، يحتاطون لأنفسهم، ويخافون عليها من الأخطار المتوقعة، ليس في ذلك فرق بين رسول وغيره.

والدعوة والداعية في كل العصور حملهما ثقيل، وخصومهما أشداء ألداء، من الطبيعي أن يخاف الداعية ويحتاط لنفسه ودعوته، وقد خاف نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – واحتاط، فهاجر سرا، واختبأ في الغار، كما خاف من قبله موسى وهارون – عليهما السلام – إلا أن الله كان معه يسمع ويرى، كما كان من قبله معهما، وهو مع كل من يحمل رسالته في الحياة مواجها بها كل جبار عنيد.

وغاية ما يجب هو توافر شروط في الدعوة من حيث هي دعوة، وشروط في الداعية من حيث هو حامل الدعوة .

وأعظم ما هو ضروري في الدعوة نفسها أن تكون في مضمونها وغايتها قائمة على إحقاق الحق، وإحراق الباطل، وليس هذا الحق الذي تقوم عليه الدعوة أساسا وتقصده غاية إلا معرفة الله على ما بينه في كتبه المنزلة، من أنه الإله الأوحد الذي لا يعبد بحق في الوجود سواه، على ما شرعه ﴿‌ذَلِكَ ‌بِأَنَّ ‌اللَّهَ ‌هُوَ ‌الْحَقُّ ‌وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ [الحج: 62].

وأما الداعية فتكون نيته خالصة لله، لا يبتغي من وراء الدعوة علوا في الأرض ولا فسادا، وثقته بالله قوية وعميقة، لا يقنط من روح الله، ولا يستيئس نصره ﴿‌حَتَّى ‌إِذَا ‌اسْتَيْأَسَ ‌الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠)﴾ [يوسف: 110]

ويُطَمْئِنُ بهذا كل من حوله في أحلك الظروف وأصعبها ﴿‌إِذْ ‌هُمَا ‌فِي ‌الْغَارِ ‌إِذْ ‌يَقُولُ ‌لِصَاحِبِهِ ‌لَا ‌تَحْزَنْ ‌إِنَّ ‌اللَّهَ ‌مَعَنَا ﴾ [التوبة: 40] ولابد من أن تكون هذه الثقة مصحوبة بعزيمة لا تلين في مجابهة الباطل و محاججته، يخوض بها الداعية ساحة الجدل الكلامي وهو متسلح بقوة المنطق أولا، ثم منطق القوة المرهبة لمن يحول دون الكلمة، ويصد الناس عنها بأعمال عنفية، وهو ما نستلهمه من سؤال موسى – عليه السلام – ربه حل عقدة  اللسان، حتى يفقهوا قوله؛ لأن اللسان هو أداة المنطق القوي، إلى وجود معاون يشد من أزره، أخيه هارون.

وهذا يلفت نظرنا إلى أن الداعية أشد ما يكون حاجة إلى الاستقواء بعصبية قوية، من نحو حزب له عمقه وامتداده الجماهيري، يناصرون القيم التي يدعو إليها حتى وإن لم يكونوا في بعض منهم غير مؤمنين بها،  من عشيرته وأهله، مستفيدا من قدراتهم المختلفة، فقد تحملهم عصبيتهم هذه على حمايته وتمكينه من تبليغ رسالة ربه، كما فعل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حين استنصر عمه أبا طالب، ومن قبله احتمى شعيب – عليه السلام – برهطه حتى قال قومه ﴿‌وَلَوْلَا ‌رَهْطُكَ ‌لَرَجَمْنَاكَ﴾ [هود: 91].

ولأن موسى وأخاه هارون – عليهما السلام – من قوم مستضعفين ومستعبدين من فرعون وملئه ، ليس لهما رهط يحمونهما ﴿‌قَالَا ‌رَبَّنَا ‌إِنَّنَا ‌نَخَافُ ‌أَنْ ‌يَفْرُطَ ‌عَلَيْنَا ‌أَوْ ‌أَنْ ‌يَطْغَى (٤٥)﴾ [طه: 45] عندها قال لهما ربهما ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه: 46] وزودهما بآية من عنده، عصا موسى التي يتوكأ عليها، ويهش بها غنمه، إذا ما ألقاها استحالت حقيقة حية تسعى، تلقف ما يأفكون من السحر ويصنعون، ويده تخرج بيضاء من غير سوء.

ولقد رأى فرعون بأم عينيه ما رأى من آيات الله الكبرى، غير أنه مضى في غيه وضلاله، وجمع السحرة متحديا ومغريا، ثم توعدهم عندما آمنوا وخروا سجدا، فقالوا له ﴿‌فَاقْضِ ‌مَا ‌أَنْتَ ‌قَاضٍ ‌إِنَّمَا ‌تَقْضِي ‌هَذِهِ ‌الْحَيَاةَ ‌الدُّنْيَا (٧٢)﴾ [طه: 72].

وهو شأن كل طاغية مستكبر في كل العصور، يأبى أن يلين للحقيقة حتى يأخذه الله أخذ عزيز مقتدر.

وكتبه/ أ. د. جلال الدين محمد صالح.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *