رافعات الاستبداد

2 مايو 2023 287

الطغيان والتجبر والاستكبار أفعال وصفات منقوضة دينياً ومرفوضة ومدانة سياسياً ومخالفة للفطرة الإنسانية السليمة ولا تكاد تجد كتاباً دينياً شن حرباً لا هوادة فيها مثل القرءان الكريم وذلك بنفي التجبر والتكبر والطغيان والسيطرة عن الأنبياء قال تعالى مخاطباً نبيه محمد عليه الصلاة السلام ( نَّحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا یَقُولُونَۖ وَمَاۤ أَنتَ عَلَیۡهِم بِجَبَّارࣲۖ فَذَكِّرۡ بِٱلۡقُرۡءَانِ مَن یَخَافُ وَعِیدِ) ق/45( لسۡتَ عَلَیۡهِم بِمُصَیۡطِرٍ) الغاشية/22 وقال تعالى عن يحيى عليه السلام ( وَبَرَّۢا بِوَ ٰ⁠لِدَیۡهِ وَلَمۡ یَكُن جَبَّارًا عَصِیࣰّا) مريم/14 وكذلك ورد عن عيسى عليه السلام قوله تعالى: (وَبَرَّۢا بِوَ ٰ⁠لِدَتِی وَلَمۡ یَجۡعَلۡنِی جَبَّارࣰا شَقِیࣰّا) مريم/ 32 كما ذم القرءان تلك الأوصاف جملة وتفصيلاً فقال تعالى :—-

(وَتِلۡكَ عَادࣱۖ جَحَدُوا۟ بِـَٔایَـٰتِ رَبِّهِمۡ وَعَصَوۡا۟ رُسُلَهُۥ وَٱتَّبَعُوۤا۟ أَمۡرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِیدࣲ) هود/59

(قَالَ مُوسَىٰۤ إِنِّی عُذۡتُ بِرَبِّی وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرࣲ لَّا یُؤۡمِنُ بِیَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ ) غافر /27

(هَـٰذَاۚ وَإِنَّ لِلطَّـٰغِینَ لَشَرَّ مَـَٔابࣲ) ص/ 55      

(لَمۡ تَرَ كَیۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلۡعِمَادِ * ٱلَّتِی لَمۡ یُخۡلَقۡ مِثۡلُهَا فِی ٱلۡبِلَـٰدِ * وَثَمُودَ ٱلَّذِینَ جَابُوا۟ ٱلصَّخۡرَ بِٱلۡوَادِ * وَفِرۡعَوۡنَ ذِی ٱلۡأَوۡتَادِ * ٱلَّذِینَ طَغَوۡا۟ فِی ٱلۡبِلَـٰدِ * فَأَكۡثَرُوا۟ فِیهَا ٱلۡفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَیۡهِمۡ رَبُّكَ سَوۡطَ عَذَابٍ *إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلۡمِرۡصَادِ) الفجر/6-14

وترتكز الأنظمة الطاغية والفرعونية على  الاستعباد والاستخفاف و الاستحمار وذلك من خلال مسارين اثنين :–

1 / مسار التجهيل :  أي الدفع إلى الجهل و الغفلة لأن الوعي هو ألد أعداء الطغيان  والطاغية يعمل بمنهجية مدروسة لتجهيل الشعب بحقائق الدين ومجريات الواقع وطبيعة الحقوق المشروعة فالطاغية ( عدو الوعي والعلم ) في كل زمان ومكان وحال .
/ 2  مسار الإلهاء : تقديم الجزئيات على الكليات أو إلهائه عن الحقوق الأساسية بالحقوق الجزئية أو تقديم ما حقه الـتأخير أو تأخير ما حقه التقديم أو الإثارة بقصد صرف الانتباه عن المطالب المشروعة للقضايا المثارة او افتعال الأزمات والحروب بقصد الإلهاء ونظريات الإلهاء من أكثر النظريات شيوعا في التحكم والسيطرة على الشعوب وواحدة منها هي عمليات الإلهاء من خلال الرياضة وكرة القدم كما هو شائع ومشاهد فهي واحدة من أدوات الإلهاء وتنفيس الغضب واحتواء الطاقات المتدفقة فيما لا يجدي ولا يفيد في تغيير مسارات الشعوب المستضعفة نحو الأفضل من خلال إدراك الحقائق المؤلمة عن واقعها البئيس والسعي الجاد لتغييره .

والمقصود من كل ذلك تحقيق الضبط والسيطرة من خلال الخضوع والطاعة للطاغية قال تعالى :- (فَٱسۡتَخَفَّ قَوۡمَهُۥ فَأَطَاعُوهُۚ إِنَّهُمۡ كَانُوا۟ قَوۡمࣰا فَـٰسِقِینَ) الزخرف/54 والاستخفاف مقصوده الطاعة ونتيجته الفسوق – الخروج -عن قيم الحق والخير والفضيلة .

وإذا نظرنا إلي طبيعة الطغيان في إرتريا  سنجده يعمل ضمن مساري التجهيل والإلهاء فالتجهيل من خلال ما يعرف بالتعليم بلغة الأم والتجنيد المستمر للطلاب وتعطيل العملية التعليمية لقطاعات واسعة من الأجيال الناشئة والإلهاء من خلال صناعة العداوات مع الجميع والزعم بأن وجود إرتريا لا يزال في خطر والحشد والتجنيد العسكري المستمر والتنقلات في الوحدات العسكرية من هنا لهناك والظهور بمظهر المواجه لأمريكا والامبريالية العالمية كل ذلك في سبيل صرف الأنظار عن المطالب والاستحقاقات الحقيقية ما بعد التحرير من الحرية والتنمية والمواطنة المتساوية وبناء دولة القانون والمؤسسات وتحقيق التوازن السياسي بين مكونات المجتمع وذلك من خلال المشاركة السياسية الفاعلة والتوافق على الدستور وهو الوثيقة الضامنة لكل ما تقدم .

وتأتي عملية الترهيب والقمع كعملية مكملة للتجهيل والإلهاء فالطاغية يصفي الشعب جسدياً بعد أن تمت التصفية العقلية والنفسية وقتل إرادة التغيير والإصلاح .

وأما عن سبيل الخلاص من الطغيان فالمدخل اليه هو (الوعى والنباهة) كما سماها  الدكتور -علي شريعتي – وذلك بإمتلاك الوعي و النباهة لكشف أي مخطط للتزوير أو الإستعباد أو الاستغلال أو الاستعمار أو الاستحمار .

وهو في المنطق القرءاني يسمى (تغيير النفوس ) قال تعالى:

(إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُغَیِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ یُغَیِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ وَإِذَاۤ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمࣲ سُوۤءࣰا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ) الرعد/11 (أَوَلَمَّاۤ أَصَـٰبَتۡكُم مُّصِیبَةࣱ قَدۡ أَصَبۡتُم مِّثۡلَیۡهَا قُلۡتُمۡ أَنَّىٰ هَـٰذَاۖ قُلۡ هُوَ مِنۡ عِندِ أَنفُسِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرࣱ) آل عمران /165

فالإنسان يساهم في صنع مستقبله بحسب المشيئة التي منحه الله تعالى إياها وفي هذا السياق يفهم بيت الشعر هذا :

وإذا الشعب يوماً أراد الحياة    **     فلا بد أن يستجيب القدر

وهنا لا بد من إزالة اللبس الحاصل من استجابة القدر وكيفيته وذلك  بالتعرف على الحوادث الواقعة على الكون وأنها إما طبيعية أو بشرية فالحدث الطبيعي مثل قوله تعالى: (هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِیثُ ٱلۡغَـٰشِیَةِ) الغاشية/1 وأما الحدث الإنساني كقوله تعالى ( وَهَلۡ أَتَىٰكَ حَدِیثُ مُوسَىٰۤ) طه/9 والحوادث الطبيعية حتمية الوقوع والحوادث الإنسانية احتمالية – قبل الوقوع – وحتمية بعد الوقوع وذلك أن الله ربط الحوادث الإنسانية بالإرادة الإنسانية فلا يغير الله حال الإنسان إلا أن يريد الإنسان تغيير حاله فيرتبط القدر بسببه وعند انعدام السبب ينعدم القدر خلافاً للتصور الماركسي الذي أجرى الحوادث الإنسانية مجرى الحوادث الطبيعية في الحتمية دون اعتبار للإرادة الإنسانية وهذا تعطيل للحياة السوية القائمة على قوانين المدافعة الإنسانية بين الخير والشر وإمكانية فاعلية الإنسان وعدم جبريته وتلك – لعمر الله-  سر الوجود الإنساني قال تعالى  :- (وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ إِنِّی جَاعِلࣱ فِی ٱلۡأَرۡضِ خَلِیفَةࣰۖ قَالُوۤا۟ أَتَجۡعَلُ فِیهَا مَن یُفۡسِدُ فِیهَا وَیَسۡفِكُ ٱلدِّمَاۤءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّیۤ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ) البقرة/30 فلا استعباد لإنسان الا بإرادته ومن أراد الحياة كتبت له ضمن منظومة كتاب الحياة قال تعالى: (وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلࣰا مِّن قَبۡلِكَ وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ أَزۡوَ ٰ⁠جࣰا وَذُرِّیَّةࣰۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن یَأۡتِیَ بِـَٔایَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ لِكُلِّ أَجَلࣲ كِتَابࣱ) الرعد/38 ومن اكتشف أسرار الكتب كان الأقدر على استثمار الحياة بشكل أفضل وهذا سر التفاوت بين البشر.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *