ضلالة الشبهات والشهوات وسؤال العبد الهداية منها

2 يناير 2024 338

تحف الإنسان الكثير من مضلات الشهوات والشبهات، جانب منها مسلط على عقله، وجانب منها مسلط على غرائزه، وهو في مجاهدة معها ومصارعة، وربما صرعته؛ ليكون رهن إرادتها، وتحت تصرفها، لا يلوي عنقا عن مسايرتها والكف عن منازلتها.
ولعل هذا هو سر أن تكون فاتحة الكتاب هي فاتحة الصلاة، فريضة ونافلة، فيها يسأل العبد ربه هدايته إلى الصراط المستقيم.
وفيها يسأله البعد عن المغضوب عليهم والضالين.
وهم من اليهود والنصارى الذين ضلوا سواء السبيل.
وكان ضلال اليهود من تسلط الشهوات عليهم، إذ آثروها في حياتهم الدنيا، يريدون بها علوا في الأرض وفسادا، يوم كتموا الحقيقة التي أنزلت إليهم من ربهم، حسدا من عند أنفسهم ( يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وأن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون ).
وكتمان الحقيقة مع العلم بها هو من تسلط مضلات الشهوات، شهوة السلطة، شهوة الشهرة، شهوة الثروة.
وهذه الشهوات من أهم ما تتحكم على اليهود حتى هذا اليوم، حيثما وجدوا في كل المجتمعات، يعتقدون في أنفسهم أنهم أحباء الله وأبناؤه، وأن كل من عداهم عبيد لهم، حلال الدم والمال والعرض.
وأما النصارى فقد أغوتهم الشبهات، وأعمتهم من أن يبصروا الحقيقة، ويعملوا عقلهم في الوصول إليها، يوم قالوا: اتخذ الله ولدا.
ونسوا أن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب.
وكونه ولد من غير أب، لا يعني أنه ابن الله، ولكن معجزته وآيته إلى العالمين، وأن آدم أبلغ منه في الإعجاز الإلهي، خلقه من تراب، من غير أم ولا أب، فهل يكون ابنا لله؟! تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
وهذا الضلال في النصارى، هو من ضلال الشبهات، بينما ضلال اليهود من الشهوات.
وكلا الضلالين تسرب إلى الأمة الإسلامية بمقادير مختلفة، فوجد فيها من أضلته الشبهات، كما وجد فيها من أضلته الشهوات، ومن اجتمع فيه الأمران.
وفي هؤلاء من بلغ به ضلاله حد الكفر والمروق من الدين، فما أغنت معه الحجج والنذر، وأبى إلا أن يؤمن بعبثية الحياة، وأن لا نشور بعد الموت ولا قيامة.
وفي هؤلاء يكون الفلاسفة الملحدون، من المتكلمة الزنادقة، الذين قالوا ما القرآن إلا خطاب العامة، وما الجنة والنار إلا تخيلات تناسب عقول العامة، وتزدريها عقول الخاصة.
وفي إلزاماته التجادليه في نفي الصفات، يشير شيخ الإسلام ابن تيمية إلى هؤلاء الضالين بالشبهات، فيقول في الصفحة الثانية بعد المائتين من كتابه ( درء تعارض العقل والنقل ) الجزء الأول: “وبهذا احتج الملاحدة، كابن سينا وغيره، على مثبتي المعاد، وقالوا: القول في نصوص المعاد كالقول في نصوص التشبيه والتجسيم “.
ومرادهم أن نصوص البعث والمعاد تصادم العقول، كنصوص الإثبات، وما دمنا أولنا أو فوضنا العلم بحقيقة نصوص إثبات الصفات، علينا أن نؤول نصوص الوعد والوعيد والمعاد، أو نفوض حقيقتها؛ لعدم علمنا بها؛ لأن القرآن والرسول – زعموا – لم يبينا بشكل صريح حقيقة البعث والوعد والوعيد، ومن ثم ليس من الدين الجزم بأن ذلك بعث للأجساد، وخلود في الجنة،أو ورود في النار.
ومن هؤلاء من قال بالحلول، حتى جعل من الكلب والخنزير إلها، ومن نفسه معبودة وعابدة، في الآن نفسه.
وآخرون من غيرهم، لم يقولوا مثل قولهم، وآمنوا بما كفروا به، ولكنهم جعلوا لله شركاء، يلوذون بهم من غير أن يعتقدوا فيهم الخالقية، صارفين إليهم أنواعا من العبادة، راجين منهم النفع والضر.
وضلال هذا الصنف من جنس ضلال النصارى، ضلال الشبهات، وما له من علاج غير العلم بالحقيقة ( فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك ).
وبوب البخاري لهذه الآية بابا في صحيحه، هو باب العلم قبل القول والعمل.
وهي مهمة الدعاة إلى الله بما أوتوا من حسن البيان، خطابا وكتابا.
وفي هؤلاء جميعا علماء فسدة، وعباد جهلة؛ ولهذا يؤثر عن ابن القيم قوله: من فسد من علمائنا فيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا فيه شبه من النصارى.
وأما شيخه، شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد أكد – وهو يجادل متكلمة الأشاعرة والمعتزلة – أن الهداية في القرآن لمن طلبها، وأن لا سبيل إليها بغيره أصلا وأبدا، فقال في كتابه (درء تعارض العقل والنقل) في الصفحة التاسعة والستين بعد المائة من الجزء الأول: ” فإذا كان فحول النظر وأساطين الفلسفة الذين بالغوا في الذكاء والنظر إلى الغاية، وهم ليلهم ونهارهم يكدحون في معرفة هذه العقليات، ثم لم يصلوا فيها إلى معقول صريح يناقض الكتاب، بل إما إلى حيرة وارتياب، وإما إلى اختلاف بين الأحزاب، فكيف غير هؤلاء ممن لم يبلغ مبلغهم في الذهن والذكاء، ومعرفة ما سلكوه من العقليات؟ فهذا وأمثاله مما يبين أن من أعرض عن الكتاب وعارضه بما يناقضه، لم يعارضه إلا بما هو جهل بسيط أو جهل مركب “.
وإذن الجهل البسيط والجهل المركب هما من منافذ تسرب فتن الشهوات والشبهات إلى الانسان، وخير عاصم منهما، هو سؤال الله الهداية، والاعتصام بكتابه ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات بأن لهم أجرا كبيرا ).
وثم مجاهدة النفس على الاستقامة في طريق الهداية ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ).

وكتبه/ أ.د.جلال الدين محمد صالح

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *