التطور التشريعي في الرسالات “الحلقة الثالثة والأخيرة”

26 أبريل 2024 137

بقلم الدكتور/ حسن سلمان

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله الأمين أما بعد:

8/ شريعة عيسى عليه السلام:

تعتبر شريعة عيسى عليه السلام مصدقة وناسخة لبعض ما جاء في شريعة موسى عليه السلام ، فهي مؤكدة ومتممة ومخففة لبعض الأحكام نحو التيسير باعتبارها شريعة جمال ، فهي شاملة للعهدين القديم والجديد كما في قوله تعالى:(وَیُعَلِّمُهُ ٱلۡكِتَـٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِیلَ) آل عمران/٤٨ وقد بعث الله تعالى عيسى عليه السلام لبني إسرائيل في وقت ضلوا فيه كثيرا عن هدايات كتابهم المنزل ولم تبق منهم إلا أسرة واحدة على العهد والملة وهي أسرة (آل عمران) الذين اصطفاهم الله تعالى وجعل من نسلهم مريم عليها السلام وقد تتابع لهم ثلاثة من الأنبياء وهم زكريا ويحيى وعيسى عليه السلام وقد ساد الطغيان والفساد في بني إسرائيل وحرفوا وبدلوا في العقيدة والشريعة وقتلوا الأنبياء ومنهم زكريا ويحيى وتآمروا مع (بطليموس) قائد الرومان على محاولة قتل عيسى عليه السلام عام (33) م ولكن ما كان لهم ذلك لأن الله حماه ورفعه إليه وبقيت شريعته في أتباعه وحوارييه وخلاصتها فيما يلي:

  • التصديق لما في التوراة وجمعه مع الإنجيل عقيدة وشريعة فيما لم يتم نسخه أو الإضافة فيه (الجمع بين العهدين) وتحليل بعض ما حرمه الله تعالى على بني إسرائيل في شريعة موسى عليه السلام والبينات والآيات والبراهين الدالة على نبوته كما ورد في قوله تعالى:( وَمُصَدِّقࣰا لِّمَا بَیۡنَ یَدَیَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِی حُرِّمَ عَلَیۡكُمۡۚ وَجِئۡتُكُم بِـَٔایَةࣲ مِّن رَّبِّكُمۡ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِیعُونِ) آل عمران/٥٠، وبيان بعض ما اختلفوا فيه بالإضافة للتتميم والنسخ.
  • ب‌- الحكمة وهي منظومة القيم والوصايا التي بعثه الله تعالى بها وهي تراكمية لما سبق فهي الفرقان والصراط الذي بعث الله به موسى عليه السلام ثم ما كان خاصا بشريعة عيسى عليه السلام.
  • التبشير بمجيء محمد عليه الصلاة والسلام وضرورة التصديق به واتباعه لأنه جزء من الميثاق والعهد الإلهي الذي أخذه الله تعالى على جميع الرسل والأنبياء.
  • لم يتمكن عيسى عليه السلام من التوسع في انتشار دعوته ولا من إقامة دولة قادرة على حماية الدعوة وتمكين أتباعها بل ظلت في حالة استضعاف وملاحقة وذلك لقوة الدولة الرومانية الوثنية وطغيانها ومطاردة الحواريين بل محاولة قتل عيسى عليه السلام كما تقدم.
  • وقد تعرضت شريعة عيسى عليه السلام لتحريف كبير في صلب عقيدتها وشريعتها وخرجت عن التوحيد الخالص للتثليث والتشريك وامتزجت مع المعتقدات الوثنية بالرغم من ثبات الحواريين على دعوة عيسى عليه السلام وتبشيرهم بها في مختلف الأقطار وصبرهم على الاضطهاد والتعذيب الذي تعرضوا له في مسيرتهم واستمر الحال على ذلك حتى كان العهد الرسولي كما يسميه مؤرخو الكنيسة والتي تبنى فيها قسطنطين حاكم الإمبراطورية الرومانية المسيحية وكان ذلك نقطة تحول كبير في الديانة المسيحية من جهتين الأولى: الخروج من حالة الملاحقة والاستضعاف والتبني الرسمي للديانة وحمايتها .

والثاني: ارتباط الدين بمصالح السلطة وتوجهاتها والتحكم بمساراتها وخضوعها للسلطة وكان ذلك بداية الانحراف والتبديل والذي كانت بدايته بما حصل في مجمع نيقية سنة 325م والذي أقر  عقيدة التثليث وتبنى فكرة الابن الإله أو اتصال الإله بالأرض عبر الكلمة أو الابن الإله أو الروح القدس وتبنى فكرة الصلب والفداء والقتل لعيسى عليه السلام  وبتأثير من السلطة تم تجريد المسيحية من الشريعة التي كانت في العهد القديم والجديد  وهذا ينسجم مع ما تريده السلطة من دين يبقي على العقيدة والسردية الكونية والأخلاق والقيم الفاضلة دون التدخل في المجال التشريعي الذي تريد السلطة الاستمرار فيه بالتشريعات والقوانين الرومانية المتجذرة في الدولة الرومانية وبطبيعة الحال لم تجد هذه التحريفات إجماعا وقبولا بل تم مواجهتها لفترات طويلة ونشأت على إثر ذلك المذاهب المسيحية المعروفة حتى اليوم ( الأرثوذكس/ الكاثوليك /البروتستانت) وفي سياق خدمة السلطة تحولت النصرانية من حالة قومية وخطاب ورسالة محدودة إلى رسالة وخطاب عالمي يتجاوز بني إسرائيل إلى البشرية كافة في مخالفة صريحة لما جاء في إنجيل (متى):( إلى طرق الأمم لا تتجهوا ومدن السامريين لا تدخلوا بل انطلقوا بالحرب إلى الخراف الضالة من آل بني إسرائيل ) وهكذا تمت عمليات التحريف والتبديل في رسالة عيسى عليه السلام ولا زالت مستمرة على ذاك التحريف ممثلة لشعوب عديدة تحت راية المسيحية المحرفة ويمكن تسميتها (أمة المسيح الدجال) لأنها لم تعد تعبر عن رسالة المسيح عيسى عليه السلام وستكون البراءة منهم جميعا يوم القيامة كما في قوله تعالى: ( وَإِذۡ قَالَ ٱللَّهُ یَـٰعِیسَى ٱبۡنَ مَرۡیَمَ ءَأَنتَ قُلۡتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِی وَأُمِّیَ إِلَـٰهَیۡنِ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالَ سُبۡحَـٰنَكَ مَا یَكُونُ لِیۤ أَنۡ أَقُولَ مَا لَیۡسَ لِی بِحَقٍّۚ إِن كُنتُ قُلۡتُهُۥ فَقَدۡ عَلِمۡتَهُۥۚ تَعۡلَمُ مَا فِی نَفۡسِی وَلَاۤ أَعۡلَمُ مَا فِی نَفۡسِكَۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلۡغُیُوبِ) المائدة/١١٦

9/ الرسالة الخاتمة والعالمية الأخيرة:

الرسالة العالمية الخاتمة هي رسالة النبي محمد عليه الصلاة والسلام وقد امتن الله بها على البشرية وقد بلغت مداها في التيه والضلال وحادت عن الحنيفية السمحة وقد نزل عليهم مقت الله تعالى كما جاء في الحديث الصحيح  أنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ قالَ ذَاتَ يَومٍ في خُطْبَتِهِ: (أَلَا إنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ ما جَهِلْتُمْ، ممَّا عَلَّمَنِي يَومِي هذا: كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ، وإنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وإنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عن دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عليهم ما أَحْلَلْتُ لهمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بي ما لَمْ أُنْزِلْ به سُلْطَانًا، وإنَّ اللَّهَ نَظَرَ إلى أَهْلِ الأرْضِ، فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، إلَّا بَقَايَا مِن أَهْلِ الكِتَابِ…..) أخرجه مسلم وقد كانت بدايات الدعوة في العهد المكي على ذات منوال بقية الرسل والرسالات تتمحور حول قضايا الإيمان والغيب وأصل الوجود والمصير وأصول الأخلاق والقيم وأصول التشريع والشعائر وقد لاقت الدعوة رفضا قويا من أهل مكة وقادتها وعانت كثيرا تعذيبا وتنكيلا وتشريدا حتى هيأ الله تعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام أرض هجرة تحمي الرسالة والرسول وتتحمل تبعات بناء الدولة والولاية السياسية العامة للأمة المسلمة وتجسد كل ذلك في بيعات العقبة الأولى والثانية والتي مهدت للهجرة لأرض يثرب حيث وجود الأنصار فتتابعت الجموع نحو أرض الهجرة وتركت المال والأهل في سبيل الله تعالى ومع وصول النبي عليه الصلاة والسلام كانت اللبنات الأولى قد وضعت تحت سمعه وبصره وقيادته من بناء المسجد تعبيرا عن طبيعة الدولة وارتباطها بالهوية العقدية والدينية ثم ميثاق الإخاء الإيماني بين المهاجرين والأنصار تعبيرا عن النصرة والتكافل وبناء أسس المجتمع المسلم بطريقة مختلفة قوامها الإخاء الديني وليس النسبي كما عرفه العرب ثم وضع ميثاق المدينة الذي تم من خلاله تحديد طبيعة العلاقات الاجتماعية بين مكونات المسلمين وبينهم وبين مكونات اليهود من الناحية الاجتماعية والسياسية ومن خلال ذلك كان الرسول عليه الصلاة والسلام المرجعية العليا باعتباره نبيا رسولا يتبعه المؤمنون ديانة وبعقد الإيمان الاختياري يحكمونه في كل شيء في حياتهم  ويخضع لسلطانه غير المسلمين بحكم الميثاق المبرم معهم وبذلك قامت أول ولاية سياسية ودولة تحمي الرسالة وتنشر الدعوة وتدافع عن أتباعها وقد شرع الجهاد والقتال بعد أن كان ممنوعا في مكة وفي المدينة نزلت تفاصيل الشريعة من شعائر وشرائع وأخلاق وحدود وعقوبات تعبيرا عن كمال وتمام الشرعة والمنهاج ثم تمام الدين وكماله في نهاية الأمر وكل ذلك في حياة النبي عليه الصلاة والسلام وتحت قيادته قامت الدولة الحارسة للدعوة والدعوة الحاكمة للدولة وبعد وفاته عليه الصلالة والسلام كان نموذج الخلافة الراشدة بقيادة الخلفاء الراشدين المهديين وهو أول نموذج سياسي بشري غير نبوي يهتدي بالكتاب وحاكميته والأمة وشوراها وسلطانها ليكون بذلك قد اكتمل النموذج الواجب الاتباع والمرجعية في ما يحتاجه المسلمون من هدايات عملية واقعية وفي ظل ذلك تتم عمليات الاجتهاد والتجديد لكل ما يستجد من نوازل وأحداث.

ومحصول القول في التطور التشريعي في الخطاب الديني منذ بدايته وحتى ختامه بالتمام والكمال في الرسالة المحمدية هو ما يلي:

1/ إن التدين فطرة مركوزة في الانسان منذ بداية خلقه والمسيرة الإنسانية هي مسيرة تدين سواء كان التدين الموافق للفطرة وهو الإسلام والتوحيد أو التدين المنحرف والضال بفعل الشيطان أو تلبيسه على الناس بحرفهم عن الصراط المستقيم إلى السبل الأخرى القائمة على الفلسفات أو الأساطير التي أدت بالإنسان للخواء الروحي والتوهان العقلي وتاريخ الإنسانية هو تاريخ الأديان ولا حضارة بلا دين أو تدين كما يقول المؤرخ اليوناني -بلوتارك أو بلوتارخ-:(يوجد مدن بلا أسواق ومدن بلا قصور ومدن بلا فن ومدن بلا مسارح ولا يوجد مدن بلا معابد) الإسلام و الحضارة الغربية/ج٢/ص/٨ / سفر الحوالي

وإن الدين المقبول والمعتبر عند الله تعالى هو الإسلام الذي جاء به جميع الرسل والأنبياء قال تعالى:( ِنَّ ٱلدِّینَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَـٰمُۗ وَمَا ٱخۡتَلَفَ ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡكِتَـٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَاۤءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡیَۢا بَیۡنَهُمۡۗ وَمَن یَكۡفُرۡ بِـَٔایَـٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِیعُ ٱلۡحِسَابِ) آل عمران/١٩ وهو الدين الموافق للفطرة الإنسانية والمنسجم معها قال تعالى:(فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّینِ حَنِیفࣰاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِی فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَیۡهَاۚ لَا تَبۡدِیلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَ ٰ⁠لِكَ ٱلدِّینُ ٱلۡقَیِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا یَعۡلَمُونَ) الروم/٣٠ ، يقول شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى إن الإسلام دين الفطرة وأن الرسل 🙁 بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها لا بتحويل الفطرة وتغييرها).

2/ والخطاب الديني في تطوره التشريعي عبر التاريخ  له حد أدنى يشتمل على أصول الإيمان وقضايا العقيدة والسردية الكونية وقضايا العبادات والقيم والأخلاق دون توسع وتفصيل بما يناسب الرسالة المحدودة زمانا ومكانا وإنسانا (خطاب أسري أو قومي) كما له حد أعلى شامل لكل تفاصيل الحياة العامة والخاصة وخطاب الدولة والمجتمع وبتفاصيل أكثر من الحالة المحدودة وتتناسب والخطاب العالمي الخاتم للبشرية ، وأن الخطاب الديني كله من أوله إلى آخره قد اتسم بالثبات في قضايا الإيمان والسردية الكونية والتراكم في قضايا القيم والأخلاق والتغيير والاختلاف في قضايا المنهاج والتشريع والبينات والبراهين الرسالية.

3/ وكمال الدين وتمام النعمة وختام الرسالة الوارد في الكتاب العزيز يعني العالمية والخلود والعموم و التيسير و الرحمة والصلاحية لكل زمان ومكان وحال وإنسان وذلك لطبيعة الخطاب الجامع للثوابت الحاكمة في العقيدة والعبادة والأخلاق والقيم وأصول التشريع وتفاصيلها الملائمة لكل عصر ومصر مع وجود مساحات مناسبة للمتغيرات والمستجدات بحسب التطور البشري والعمراني والتي تسمح الشريعة فيها بالتجديد والاجتهاد وتغير الفتوى بتغير الأحوال والأعراف والعلوم والمعارف، ويترتب على ذلك أن الدين بما انتهى إليه لا يسمى دينا إلا بشموله وعمومه لكل مكوناته من ( الإسلام / الإيمان / الإحسان) كما جاء في حديث جبريل الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ( فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم) أخرجه مسلم وغيره ، وأن أي محاولات لحصر واختزال الدين في أنماط التدين العقدي أو الشعائري والقيمي دون التشريعات الحياتية في مجاراة لمسمى الدين في الحضارة الغربية بخلفياتها النصرانية هو تحريف وتبديل لمعنى الدين المنزل إلى معاني أخرى ومسميات حادثة ومبتدعة عن دين مؤول أو مبدل لن يحقق مقصود الدين المنزل ومراد الله تعالى من نزول الرسالة للبشرية.

4/ وكمال الدين وختام النبوة هو إيذان بانقطاع الوحي وخبر السماء وارتباط بالكتاب المنزل على النبي الخاتم الأمين كما هو نهاية لقيادة البشرية بواسطة الأنبياء وسياستهم المعصومة إلى القيادة البشرية القابلة للخطأ والصواب في سياق حاكمية الكتاب وشورى المؤمنين واجتهادهم كما أن طبيعة الخطاب الديني الخاتم هو خطاب عالمي يتجاوز الأبعاد القومية والظروف المكانية والزمانية ويتصف بالرحمة والتيسير خلافا لشرعة الأغلال والآصار التي سبقت في شرائع متقدمة وقد وضعها الله عن هذه الأمة ببعثة النبي الأمي عليه الصلاة والسلام وأن الكتاب الخاتم يتضمن في داخله النبوة من علوم ومعارف وعقائد وأخبار كما يتضمن الرسالة وما فيها من قيم وأحكام وتشريعات عامة وخاصة وفي ذات السياق يشتمل الكتاب على البراهين والبينات الرسالية التي تقوم بها الحجة على المكلفين عبر المسيرة الإنسانية وتطورها.

5/ وفاعلية الرسالة الخاتمة الجامعة للدعوة والدولة أو الهداية والولاية غالبا ما تكون في المجال العام السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي فالذين يرفضون الدين وتأثيره في الحياة العامة إنما ينطلقون من مفهوم الدين وتعريفه في السياق الغربي الذي يحاصر الدين بعيدا عن السياسة والحكم ويسقطون ذات التجربة في سياق مختلف مفهوما وتجربة وهذا تحكم لا معنى له يثير من المشكلات أكثر مما يقدم من الحلول والمعالجات وهو ما أثبتته التجربة الواقعية طوال العقود الماضية.

والإسلام ورسالته الخاتمة المنزلة على النبي عليه الصلاة والسلام ظلت عبر تاريخها محورا تدور حوله الحياة كلها عقيدة وشريعة ومعرفة وأخلاقا حتى لو حصل تراجع في بعض محطات التاريخ إلا أنه كان يعد انحرافا غير مقبول لدى الأمة وعلمائها ، وكان السعي نحو الكمال بحسب الإمكان ، بينما لم يكن الدين محورا تقوم عليه الحياة الغربية في أوربا حيث ظل الدين على هامش الحياة وضفافها وخاصة من الناحية التشريعية فقد ظلت أوربا ملتزمة بالقانون الروماني بعد أن بدلت التشريع المسيحي من خلال السلطات السياسية والمجامع الدينية ، وعليه فالقياس بين وضعية الدين ومفهومه وتنزيله بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي هو قياس مع الفارق ولا يمكن أن ينتج أثرا إيجابيا في واقع حياة المسلمين.

وفي ختام هذه الخلاصة يثور سؤال ملح له ارتباط بالفاعلية الحضارية وهو هل كان الإسلام عامل فاعلية ونهضة للأمة الإسلامية والحضارة العالمية أم كان عامل تخلف وتعطيل للعقول والطاقات؟

إن مما هو معلوم ومشهور أن العرب كانوا أمة أمية ولم تكن ذات دولة مركزية ولا نهضة علمية وفلسفية وكانت بداية الإسلام من قلب جزيرة العرب الأمية التي لم تعرف الحضارة ورسومها ولا الدولة ومؤسساتها فحول الإسلام هذه الجزيرة الأمية وهؤلاء العرب الأميين إلى قادة للشعوب والأمم حملة رسالة ومشاعل تحرير وبناة حضارة عالمية سادت العالم قرونا وشملت قارات متعددة وقد أثرت وساهمت في بناء الحضارة الغربية والنهضة الأوروبية كما يقول المؤرخ الفرنسي وعالم الانثروبولوجيا -غوستاف لوبون- في كتابه حضارة العرب:

 (إن الجنرال الفرنسي الأشهر نابليون بونابرت عند عودته إلى بلاده فرنسا راجعا من مصر عام 1801م أخذ معه كتاب الفقه المالكي المعتمد وهو (شرح الدرديري على متن خليل) وقد بنى نابليون على هذا الكتاب القانون الفرنسي الذي كان أحد أهم أسباب نهضة أوروبا وخاصة في مادة الأحكام والعقود والالتزامات ليكون بذلك الفقه الإسلامي المالكي أكبر الأثر في التشريع الفرنسي ، ومدونة الفقه المدني المعروفة بمدونة نابليون ، وصيغت منه قوانين الإدارة والتجارة والزراعة والعلاقات الفردية والعلاقة بين المواطن والنظام والعلاقات الدولية ثم أصبح أساس كل القوانين الأوروبية الحديثة ، وفي هذا يقول المؤرخ الإنجليزي -ويلز – في كتابه ملامح تاريخ الإنسانية :(إن أوروبا مدينة للإسلام بالجانب الأكبر من قوانينها الإدارية والتجارية).

ويقول رائد التنوير والعلمانية وفيلسوف فرنسا وعظيمها الفيلسوف -فولتير-  وقد هاجم الإسلام في أعماله وهو يوجه خطابه في حقيقه الأمر للكنيسة مما أدى لمنع بعض أعماله يقول:(أقول لكم مرة أخرى أيها الجهلة الحمقى الذين أقنعهم جهلة آخرون بأن الدين المحمدي شهواني ، إن هذا ليس صحيحا ، لقد خدعوكم في هذه المسألة كما في مسائل متعددة أخرى ، أيها القساوسة والأحبار لو فرض عليكم أن تمتنعوا عن الطعام والشراب من الرابعة صباحا إلى العاشرة مساءً في شهر يوليو عندما يصادف الصيام هذا الشهر ، ولو منع عنكم القمار بكل أنواعه ، ولو حرمت عليكم الخمر، ولو كتب عليكم الحج في الصحراء المحرقة، ولو أمرتم بإخراج اثنين ونصف من دخلكم للفقراء ، ولو اقتصرتم على أربع زوجات أنتم الذين ألفتم التمتع بثمانية عشر امرأة هل يمكن وبكل صدق أن يقولوا عن هذا الدين إنه شهواني) كتاب القاموس الفلسفي  1764 م.

وبذلك نكون قد أنهينا المقدمات الأساسية لما نود الحديث عنه من الغايات القرآنية الواردة في كتاب الله تعالى والتي سيتم الحديث عنها ابتداء من الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى. والله الهادي إلى سواء السبيل

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *