الطعام: نعمةٌ تُشكر وفضل يُبذل

31 مايو 2024 148

الحمد لله رب العالمين الذي أطعمنا وسقانا وأسبل علينا نعمه ظاهرة وباطنة والصلاة والسلام نبينا محمد خير من شكر وبذل وصلى وتصدق وصام وأفطر فهو أعلمنا وأخشانا لله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

توطئة:

إن من صالح الأعمال وأكرمها عند الله والتي ندب إليها ديننا الحنيف إطعام الطعام والحض عليه والترهيب من منعه، وجاء الحديث عن الطعام في القرآن والسنة وافيا مستفيضا كما قال تعالى (وقد فصل لكم ما حرم عليكم)، ومن القواعد المقررة أن الأصل في الأطعمة والأشربة الإباحة إلا ما ثبت النص بتحريمه، ولما لموضوع الطعام من الأهمية في حياتنا الصحية والاجتماعية والدينية أحببت أن أكتب فيه هذه المقالة المختصرة في الجوانب التالية:

* تعريف الطعام أنواع الطعام * فوائد نعمة الطعام * مكانة وأهمية إطعام الطعام في مسيرة الدعوة * فضل شكر نعمة الطعام وبذله في الخير * تعدد أوجه الخير في إطعام الطعام * ثمرة إطعام الطعام * هل للإطعام أفضلية زمان وأحوال؟ * أفكار في إحياء ثقافة إيصال الطعام للمحتاجين:

أولا/ تعريف الطعام:

جاء في لسان العرب: الطعام اسم جامع لكل ما يؤكل.

وفي الموسوعة الفقهية:

الأطْعِمةُ لُغةً: جَمعُ طَعامٍ، وهو اسمٌ جامِعٌ لكلِّ ما يُؤكَلُ، ويَقَعُ على كُلِّ ما يُساغُ، حتى الماءِ وذَوقِ الشَّيءِ؛ قال تعالى على لسانِ طالوتَ: (وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي) [البقرة: 249] أي: مَن لم يَذُقْه، وقال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في زَمزَمَ: (إنَّها طَعَامُ طُعْمٍ)، وأصلُ (طعم): يدُلُّ على تذَوُّقِ الشَّيءِ

الأطْعِمةُ اصطِلاحًا: ما يَحِلُّ وما يَحرُمُ مِن المأكولِ والمَشروبِ.

ثانيا/ أنواع الطعام:

أنواع الطعام كثيرة جدا وأهمها المجموعات الغذائيّة الخمس، وهي: الخضروات، والفاكهة، والحبوب، والبروتين، ومنتجات الحليب، وجميع هذه المجموعات الغذائية مهمة لتوفير العناصر الغذائية الأساسية، واتّباع نظامٍ غذائيٍّ صحيٍّ متوازن وتزويد الجسم بالطاقة اللازمة لدعم النمو الطبيعي للإنسان، والصحة بشكلٍ عام.

ثالثا/ فوائد نعمة الطعام:

قال الله تعالى:(الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف)،[قريش-4] ” لا ينعَم الإنسانُ ويسعَد إلا في ظلال هاتين النعمتَين العظيمتَين: الرِّزق والأمن؛ فلا حياةَ مع الجوع، ولا طُمَأنينةَ مع الخوف، وتمامُ النعمة باجتماعهما. فنِعَمُ الله على عباده وَفرةٌ كثيرة، فإن لم يعبدوه لسائره فليعبُدوه لأعظم نعمتَين ظاهرتَين؛ الطعام والأمن.”[من تطبيق مصحف التدبر[.

وللطعام منافع كثيرة وفوائد عديدة لجسم الإنسان منها:

1/ يخلص الجسم من السموم. 2/ يمنح الجلد النضارة، 3/ تعزيز مستويات الطاقة، 4/ رفع معدل إنتاج خلايا الدم والعضلات.5/ التقليل من معدل الجفاف في جسم الإنسان. 6/ تنظيم درجة حرارة جسم الإنسان، مما يساعد على الشعور بالنشاط والحيوية طوال الوقت.

رابعا/ مكانة وأهمية إطعام الطعام في مسيرة الدعوة:

كان إطعام الطعام في أول خطابات الدعوة المكية؛ سأل عمرو بن عَبَسَة النبي صلى الله عليه وسلم: (ما الإسلام.؟ فقال صلى الله عليه وسلم: طِيبُ الْكَلاَمِ وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ)، ]رواه أحمد في المسند [.

ومن حديث هانئ بن يزيد بن نهيك أبو شريح قال: (يا رسول الله أخبرني بشيء يوجب لي الجنة قال: طيب الكلام وبذل السلام وإطعام الطعام)، ]صحيح الترغيب2699 [.

ولما هاجر إلى المدينة كان أول خطاب له فيها صلى الله عليه وسلم فيه ذكر الطعام فعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا أَيُّهَا الناس أَفْشُوا السَّلَامَ وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ وَصِلُوا الْأَرْحَامَ وَصَلُّوا بالليل وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ)، ]أخرجه الترمذي وابن ماجه وصححه الألباني[.

وسئل النبي صلى الله عليه وسلم:(أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قال: تُطْعِمُ الطَّعَامَ وَتَقْرَأُ السَّلَامَ على من عَرَفْتَ وَمَنْ لم تَعْرِفْ) ]متفق عليه[.

خامسا/ فضل شكر نعمة الطعام وبذله في وجوه الخير:

شكر عموم النعمة ومنها نعمة الطعام وبذله لمن يحتاجه مما حثنا عليه ديننا وجاءت نصوص الكتاب والسنة تقرر هذا وتؤكده فمن ذلك:

قال الله تعالى:( كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ۚ)،[سبأ – 15[.

وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) ]البقرة- 172 .[
 وقال سبحانه: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ)، ]الأعراف – 10[.

وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنْ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا) ]رواه مسلم[.

وعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ:( يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فَقَالَ: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ . [رواه أبو داود  (1522)  وصححه الألباني  .[
والشكر على النِّعَم يكون سبباً في زيادتها ، كما قال تعالى : ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ )  ]إبراهيم-7 [


كيف يكون شكر العبد ربَّه على نعمه الجليلة ؟

يكون الشكر بتحقيق أركانه، وهي شكر القلب، وشكر اللسان، وشكر الجوارح، قال ابن القيم – رحمه الله: الشكر يكون: بالقلب: خضوعاً واستكانةً، وباللسان: ثناءً واعترافاً، وبالجوارح: طاعةً وانقيادا، ]مدارج السالكين [2 / 246

ومن شكر نعمة الطعام أن نبذل منه في وجوه الخير سواء كان من باب الكرم والضيافة أو التصدق به للمحتاج والمسكين أو الهدية منه للجار وغيره، وقد جاءت النصوص من الكتاب والسنة تحض على هذه الأوجه وغيرها فمن ذلك:

قال الله تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا؛ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا)،] الإنسان 8-9[

وقال تعالى (أوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ؛ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ؛ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ)،] البلد 14 – 16[.

ومن حديث أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (…. ومن كان يومن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)، متفق عليه[.

وجاء في باب اهداء وتعاهد الجار من حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصاه بقوله: (يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك)، [رواه مسلم[.

سادسا/ تعدد أوجه الخير في إطعام الطعام:

إطعام الطعام له فضائل جمة وأوجه الخير فيه لا تكاد تحصى فمنها:

1/ إنه خير الأعمال: فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ قال: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» ]متفق عليه[.

وقال صلى الله عليه وسلم: )أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا(،]صحيح الجامع[.

2/ أن خير الناس من يقوم به: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )خِيَارُكُمْ مَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ( ]رواه أحمد[.

3/ له أجر جزيل عند الله: ففي مسند الإمام أحمد عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: )إِنَّ اللَّهَ لَيُرَبِّي لِأَحَدِكُمْ التَّمْرَةَ وَاللُّقْمَةَ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ، حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ أُحُدٍ(.

4/ قربة من الله: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي قَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؛ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي قَالَ يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي). ]رواه مسلم[.

5/ له أجر مضاعف مدخر عند الله: ففي سنن الترمذي عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهُمْ ذَبَحُوا شَاةً، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَا بَقِيَ مِنْهَا؟ قَالَتْ: مَا بَقِيَ مِنْهَا إِلَّا كَتِفُهَا. قَالَ: بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا).

6/ به تنال معونة الله: فنبي الله صلى الله عليه وسلم لما فزع من جبريل عليه السلام في الغار قَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ رضي الله عنها: (كَلَّا أَبْشِرْ، فَوَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا؛ وَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ) ]رواه البخاري ومسلم[.

وهنا ذكرت أمنا خديجة رضي الله عنها من صفات النبي صلى الله عليه وسلم والتي بشرته بها لينال معونة الله ومنها: (وتكسب المعدوم): أي تعطيه مالا، (وتقري الضيف) بالفتح، والقِرى طعام الضيف.

7/ النجاة من أهوال يوم القيامة: قال تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورً) [الإنسان:8-11].

سابعا/ ثمرة إطعام الطعام:

إن إطعام الطعام من مكارم الأخلاق وجميل الصفات التي حث عليها ورغب فيها الإسلام، ومر معنا آيات من القرآن الكريم وعدد من الأحاديث الشريفة التي تبين عظم الأجر والأثر المترتب على بذل الطعام في حياة الفرد والمجتمع في الدنيا والآخرة، وأن ثمرة هذا العمل تظهر جليا لتتجسد قيما نبيلة واخلاقا حميدة في حياة المسلم وسلوكه أُلخصها في الجوانب التالية:

  • تطهير نفس المُطعِم من البخل والشح وتعويد المسلم على مشاركة ما معه مع إخوانه المسلمين.
  • تطهير نفس الفقير أو الجائع من الحقد والغل على غيره من ميسوري الحال نظراً لشعوره بالوحدة في المجتمع وعدم وقوف أحد معه في أوضاعه الصعبة.
  • نشر الدين الإسلامي بين الذين يجهلونه، فعندما يشاهِد غير المسلم كرم المسلم وحبه لأخيه المسلم وبذله الطعام حتى لغير المسلم فإنّ ذلك يحببه في الدين.

ثامنا/ هل للإطعام أفضلية زمان وأحوال؟

إن إطعام الطعام وسقي الماء في وقت شدة الحاجة لهما لهو من أفضل القرب وأجلها عند الله سبحانه كيف وقد قال الله عز وجل (من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) وقال تعالى: (أو إطعام في يوم ذي مسغبة)، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ذي مجاعة، والسغب هو الجوع، وقال إبراهيم النخعي: في يوم الطعام فيه عزيز.

ومن أطعم لطرد الجوع عن المسلم فإن هذا من أحب الأعمال لله سبحانه كما مر في الحديث: (أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا(، إن كشف كرب المسلمين كما يحدث في أوقات المجاعة والكوارث والحروب وبخاصة في مثل معاناة أهل غزة (المنصورة بإذن الله) وما حل بهم من قتل وتشريد وتجويع وجراح لهو مما يوجب نفرة المسلمين تجاه إخوانهم في غزة وفلسطين بكافة أنواع النصرة ومنها توفير الطعام والشراب لهم، وأن من بادر لذلك موعود بالبشارة من الله وأنه من أهل محبة الله ورضاه ومعيته وإيجاب الجنة له بمغفرة الله وفضله عليه فقد جاء من حديث أبي هريرة في الصحيحين:(بينما كلب يطيف بركية كاد يقتله العطش وإذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها فسقته فغفر لها به)، فهذه امرأة بغي سقت كلبا غفر لها فما بالك بسقي واطعام نفوس وارواح من المسلمين من النساء والأطفال والرجال فإن من ينصر ويطعم هؤلاء حري بأن ينال رضوان الله ومغفرته الواسعة وكرمه الجزيل.

ومن مواطن زمن وأحوال أفضلية الإطعام ماورد في الأجر الكثير لمن فطر الصائم جاء من حديث زيد بن خالد الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( من فطر صائما كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئا)،[صحيح الترمذي807].

تاسعا/ أفكار في إحياء ثقافة إيصال الطعام للمحتاجين:

ديننا الإسلامي دين الصلة والتراحم والعطف على الفقراء والمحتاجين، وقد فرض الله الزكاة على أموال الأغنياء لتسد حاجة الفقراء وهي ركن من أركان الإسلام فرضت لحاجة الفقير في كل شأنه ومنه مأكله ومشربه، وشرعت الصدقة لتكمل مهمة الزكاة وتتوسع في أبواب سد احتياجات الفقراء والمساكين وغيرهم فيحصل لهم الكفاية والإغناء، ومن عناية الشريعة بقضية سد حاجة الفقراء للمأكل أن جعلت في كثير من أبواب العبادة إطعام الطعام مشروعا يقوم أو ينوب عن المطلوب تعبدا في مثل زكاة الفطر والهدي والأضاحي وكذلك كفارات اليمين والنذر والإيلاء وإطعام ستين مسكينا لمن أفسد صومه بجماع في رمضان إن لم يقدر على تحرير رقبة ولم يستطيع صيام شهرين متتابعين،

ومن جميل القصص في إيصال الطعام لمن يحتاجه قصة عمر رضي الله عنه وخادمه حين كان يعس بالليل فرأى نارا في بيت وعندما اقترب منها علم وسمع أن امرأة حولها صغارها تحاول تنويمهم بقدر فيه ماء على النار وهم في حالة جوع يبكون ويتألمون وهنا ذهب لبيت المال وحمل بنفسه كيس الدقيق والزيت وصنع لهم الطعام ثم أكلوا وشبعوا وناموا وذهب عنهم بعد أن قال للمرأة اذهبي غدا لعمر أمير المؤمنين وسوف تجدينني وهذا لأجل أن يقدم لها حاجتها، فما أروع فعل عمر في اطعامه للفقراء من رعيته رضي الله عنه وأرضاه.

وفي حالنا ومجتمعنا يكثر انتشار الفقر والعوز جراء الحروب واللجوء خارج الوطن منذ عقود طويلة، وأحوال الناس سواء داخل إرتريا أو في البلدان المجاورة أو غيرها فيهم الكثير من الفقراء والعجزة والأيتام والأرامل ومنهم من يعجر عن توفير الطعام الكافي لمن يعولهم، وفي كثير من الحالات يظل المحتاج عندنا طاوي البطن منكسر الجناح لا يمد يده ولا يسأل الناس إلحافا فحالهم كما قال الله سبحانه:(يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا) ]البقرة 273[، وفي ظل غياب دور حكومي يعالج مثل هذه المشكلة فإن المبادرات الخيرية والإنسانية يستوجب أن تكون حاضرة سواء من أهل اليَسار والبر أو الجمعيات الخيرية ومنظمات المجتمع المدني فضلا عن واجهات الإدارات الأهلية والأحزاب والتنظيمات السياسية وغيرها، فإن الكل مدعوا كي يسهم في مشروع محاربة الفقر في مجتمعنا الذي يستحق إنسانه حياة كريمة بقدر ما فيه من عفة نفس وسلامة يد، ونورد هنا بعض المعالجات والمقترحات التي يمكن أن تكون مدخلا لحلول مستقبلية واسعة النطاق تُعقد لها ]مؤتمرات وورش عمل متخصصة[ تسهم في العلاج وتفتخ آفاق رحبة تساعد الأطراف المعنية كي تنهض بواجبها في سبيل عون الفقير بقضاء حاجته وسد خلته ليتحقق الأمانان أمن من الجوع وأمن من الخوف قال تعالى:(الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف)، وهذه المقترحات والحلول تتنوع مع وضعية الفرد والجهة وكذلك بلد الإقامة، فكل جهة وفق حالتها وما يكون مشتركا يستصحب بحسبه فمن ذلك:

1/ أهمية التوعية المستمرة في إشاعة ثقافة البذل والإنفاق وذلك بإطعام الطعام وبذله وتقديمه لمستحقه في وجوه البر والإحسان

2/ إقامة ونشر مشروع بنك الطعام المعمول به في بعض الدول لجمع مختلف أصناف الطعام من حبوب ومعلبات واغذية متنوعة وما يفيض في مناسبات الولائم والاحتفالات وغيرها، فتحفظ بما يناسب كل نوع حتى لا تتعرض للتلف أو الفساد، ويتم ايصالها للفقراء والمحتاجين بصورة حسنة وبخطط توزيع ونقل توصلها لمن يستحقها.

3/ تبني مشروعات مثل وجبة فطور في مناطق الحاجة عبر مؤسسات التعليم المختلفة حيث يوجد من الأطفال والطلاب من لا يجد قيمة هذه الوجبة لعجز أسرته عنها.

4/ غرس روح البذل والتكافل بين أفراد المجتمع عبر أسرنا وأطفالنا فنربي أن يأخذ الابن الطالب مع فطوره من بيته فطور آخر لزميله الذي ليس عنده فطور، وكذلك نُحرص النساء في البيوت على تفقد الضعفاء والفقراء ممن في الحي من الجيران وغيرهم والإحسان إليهم بما يتيسر من الطعام وغيره، مما ينشر التراحم والخير والألفة في المجتمع فقرائه وأغنيائه.

5/ إنشاء المطاعم الخيرية التي توزع على جموع الفقراء والمحتاجين وجبات جاهزة مجانا أو بأسعار رخيصة تكون مدعومة بمساهمة وتبني أهل الخير والمال مما يجعل من احتاج للوجبة يتناولها من غير سؤال أو إراقة ماء الوجه، ويمكن أن تكون مثل هذه المواقع حيث تجمع الناس فرصة لتقديم ما ينفع دعويا وتربويا عبر شاشات أو مسجلات فتكون التغذية للروح والبدن معا.

6/ في واجهات المخابر والبقالات والمطاعم يخصص مكان (تحت لوحة سبيل) لوضع الخبز الخيري أو الوجبات وبعضاً من احتياجات المأكل والمشرب مجانا يتبرع بها من يأتي للشراء فيجد الفقير حاجته في متناول يده بيسر من غير عنت أو مسألة.

7/ أخيرا وليس آخرا أن يكون لدى أهل الخير من الأفراد والجمعيات والهيئات والرعاية الاجتماعية في المؤسسات الحكومية وغيرها أن يكون لديهم برنامج شامل لإحصاء ومعرفة أحوال الناس ووضعهم المادي والمعيشي حتى يتم إيصال المساعدة لمن يستحقها وبخاصة أولئك الأخفياء الانقياء الذين تأبى نفوسهم مد أيديهم فهؤلاء حالهم كما قال الله تعالى: (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ۗ).

نسأل الله سبحانه أن يهيئ لعباده ما فيه سلامتهم وطيب عيشهم فيطعمون من الجوع ويأمنون من الخوف وبهذا الأمان تطيب الحياة وبه تتيسر عبادة الله في أرضه.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

أعده وكتبه/ إسماعيل عمار

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *