مواقيت الحج وضبط بوصلة التعبد

11 يونيو 2024 123

بقلم د.حسن سلمان

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله الأمين أما بعد:

خلق الله الجن والإنس لعبادته والتزام أمره ونهيه وتحقيق ذلك لن يكون إلا باتباع الشرع المنزل وليس بالأهواء والرغبات كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (جماع الدين ألا نعبد إلا الله، وألا نعبده إلا بما شرع، لا نعبده بالبدع) وقد سخر الله تعالى الكون كله لبني آدم لتحقيق الاستخلاف في الأرض تحقيقا لغاية التعبد قال تعالى:(وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِیَعۡبُدُونِ) الذاربات/٥٦

وقد نص العلماء على أن الدين في شقه التشريعي عبادات ومعاملات وأن الأصل في العبادات والشعائر التوقف أي الوقوف عند حدود المشروع دون زيادة ولا نقص، وعدم ابتداع عبادة لم تشرع ولذا فلا نعبد الله إلا بدليل واضح وثابت أو تعليل مبناه على الدليل في كيفية العبادة ، وهيأتها وعددها وزمانها ومكانها وصفتها ، وهذه القاعدة مطردة في جميع العبادات والشعائر من صلاة وصيام وزكاة وحج ومناسك ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهمية أخذ أحكام الحج من خلال ما ورد عنه من قول أو فعل أو تقرير (خذوا عني مناسككم) صحيح الجامع.

والحج في حقيقته أركان وواجبات ومستحبات تلتزم ومحرمات ومكروهات تجتنب وكل ذلك بقصد التعبد والتقرب لله تعالى، والمواقيت الزمانية والمكانية هي جزء من أحكام الحج وتتعلق بركن أساس وهو الإحرام ونتناول المواقيت المكانية والزمانية ومدى ضبطها لحالة التعبد والتسليم لله تعالى والذي هو أهم وأكبر مقاصد الحج.

أقسام المواقيت:

تنقسم المواقيت إلى قسمين أساسيين هما:

1/ المواقيت الزمانية:

 ويقصد بها الزمان الذي يكون فيه الحج ولا يصح قبله ولا بعده وهذا من حكمة الله تعالى في شأن العبادات فهي مركبة من فعل وزمن وقد جاءت الشرائع بضبط الفعل صفة وتحديد الزمن بوقت منه ، وقد دل على ذلك قوله تعالى:( يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَهِلَّةِۖ قُلۡ هِیَ مَوَ ٰ⁠قِیتُ لِلنَّاسِ وَٱلۡحَجِّۗ …) البقرة/١٨٩ )، روى ابن جرير الطبري من حديث سعيد عن قتادة قال سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الأهلة:( فأنزل الله فيها ما تسمعون (هي مواقيت للناس) فجعلها لصوم المسلمين ولإفطارهم ، ولمناسكهم وحجهم ، ولعدة نسائهم ، ومحل دينهم ، في أشياء ، والله أعلم بما يصلح خلقه ) تفسير الطبري/3/280 ، وفي قوله تعالى:(ٱلۡحَجُّ أَشۡهُرࣱ مَّعۡلُومَـٰتࣱۚ فَمَن فَرَضَ فِیهِنَّ ٱلۡحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِی ٱلۡحَجِّۗ وَمَا تَفۡعَلُوا۟ مِنۡ خَیۡرࣲ یَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَتَزَوَّدُوا۟ فَإِنَّ خَیۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُونِ یَـٰۤأُو۟لِی ٱلۡأَلۡبَـٰبِ) البقرة/١٩٧  ، بيان للتوقيت الزماني المحدد للحج ، وهي الأشهر الثلاثة شوال ، وذو القعدة ، والعشر الأول من ذي الحجة على قول جمهور أهل العلم ، خلافا للإمام مالك الذي جعل شهر ذي الحجة كله من أشهر الحج ، وهذا بالطبع لا يعني إنشاء نية الحج بعد يوم النحر ، لأن الحج لا يمكن تداركه بعد فوات يوم عرفة ولكن ثمرة الخلاف هي  في فضل الأعمال و القربات والعمرة في هذه الفترة وفضلها مع اتفاقهم بأن العمرة بعد يوم عرفة لا يكون صاحبها متمتعا .

ويترتب على ما سبق ما يلي:

_إن أعمال الحج تقع في هذه المدة الزمنية وبعضها محدد بيوم معين فإذا فات فاتت معه الفريضة مثل يوم عرفة لقوله عليه الصلاة والسلام (الحج عرفة) أخرجه النسائي وغيره.

_المواقيت الزمانية آكد من المواقيت المكانية الخاصة وذلك لأن المواقيت الزمانية عامة لكل الأمم ، وأما المواقيت المخصصة مكانيا فهي شرعت لأمة النبي عليه الصلاة والسلام بواسطته.

_من أوجب على نفسه الحج وفرضه فقد وجب عليه اجتناب ما نهى الله تعالى عنه وفعل ما أمر الله به والرخص فيما رخص الله له قال تعالى:(فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج).

_أهمية عقد نية الحج في أشهر الحج (فمن فرض فيهن الحج) وقد اختلف الفقهاء في عقد نية الحج قبل أشهر الحج وانتظار الحج وذهب جمهورهم إلى صحة الإحرام ولكنه خلاف الأولى، خلافا للشافعي الذي يرى عدم صحة الإهلال ونية الحج في أشهره استنادا للآية السابقة وقول ابن عباس رضي الله عنه (من السنة ألا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج) الحاكم وابن خزيمة.

_ومن فرض الحج أي نواه في أشهر الحج وجب عليه الإتمام لقوله تعالى 🙁 وَأَتِمُّوا۟ ٱلۡحَجَّ وَٱلۡعُمۡرَةَ لِلَّهِۚ) البقرة/١96

2/ المواقيت المكانية:

وكما للحج مواقيت زمانية محددة فكذلك له مواقيت مكانية يمارس فيها وتبدأ أعمال الحج منها والمواقيت المكانية تنقسم إلى قسمين:

1/ المواقيت المكانية العامة ونعني بها أن الحج لا تمارس شعائره وأعماله إلا في مكان معلوم وهو مكة المكرمة فلا يمكن ممارسة شعائر الحج في أي بقعة من الأرض لأن تعريف الحج هو قصد بيت الله الحرام بنية التعبد.

 وهذا ما نطلق عليه الميقات المكاني العام عبر التاريخ الرسالي،  فكما للحج ميقات زماني لكل الأمم فكذلك الميقات المكاني لكل الأمم هو مكة المكرمة ، والتي فيها البيت الحرام قال تعالى:( إِنَّ أَوَّلَ بَیۡتࣲ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِی بِبَكَّةَ مُبَارَكࣰا وَهُدࣰى لِّلۡعَـٰلَمِینَ) آل عمران/ ٩6، وقوله تعالى:(جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلۡكَعۡبَةَ ٱلۡبَیۡتَ ٱلۡحَرَامَ قِیَـٰمࣰا لِّلنَّاسِ وَٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ وَٱلۡهَدۡیَ وَٱلۡقَلَـٰۤىِٕدَۚ ذَ ٰ⁠لِكَ لِتَعۡلَمُوۤا۟ أَنَّ ٱللَّهَ یَعۡلَمُ مَا فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَمَا فِی ٱلۡأَرۡضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَیۡءٍ عَلِیمٌ) المائدة/٩٧.

وأما المواقيت المكانية الخاصة فهي مشروعة لأمة النبي صلى الله عليه وسلم وبواسطته عليه الصلاة والسلام تعرفنا عليها وتراعي كافة الاتجاهات التي يأتي منها الناس قاصدين الحج وهي على النحو التالي كما وردت في السنة النبوية:

١/ ذو الحليفة (آبار علي) وهي ميقات أهل المدينة ومن جاء من جهتها من غير أهلها، وهو المكان الذي أهل منه النبي صلى الله عليه وسلم للحج والعمرة.

٢/الجحفة وتقع بين مكة والمدينة إلى الشمال الغربي، وهي ميقات أهل الشام ومصر وشمال إفريقيا وأوروبا الغربية ويحرم الناس حاليا من منطقة رابغ،

وتبعد عن الجحفة (١٧) كيلو وهذا مكروه والصحيح الإحرام من الجحفة كما هي السنة.

٣/يلملم وهو ميقات أهل اليمن والهند وغيرها من شرق آسيا، ومن جاء من جهتها بحرا أو برا وهي تقع جنوب مكة.

٤/ قرن المنازل ويقع شمال شرق مكة، وهو ميقات أهل نجد ومن جاء من جهتها من غير أهلها.

٥/ ذات عرق وهي لأهل العراق وإيران والبلاد الشرقية ومن جاء من جهتها من غير أهلها وتقع شمال شرق مكة.

٦/ من كان مسكنه بين هذه المواقيت وبين مكة خارج حدود الحرم يحرم من بيته أو من أقرب مسجد له.

٧/ من كان من أهل مكة أو مقيما بها أو حولها داخل الحرم (منى /مزدلفة) فإنه يندب له الإحرام من المسجد الحرام إذا أراد الحج المفرد وأما إن كان نسكه التمتع أو القران فعليه الخروج خارج منطقة الحرم (الجعرانة أو التنعيم) والإحرام من هناك ليجمع في إحرامه بين الحل والحرم.

وأدلة هذه المواقيت هي ما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس: (وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة: ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم)

وقد نسب توقيت أهل العراق (ذات عرق) لعمر بن الخطاب رضي الله عنه والصحيح أن ذلك مما وقته رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ثبت في الصحيح وقد يكون من موافقات عمر رضي الله عنه إن لم يبلغه ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ويترتب على ما سبق من حديث عن المواقيت المكانية ما يلي:

_ وجوب الإحرام من الميقات المكاني المحدد وعدم تجاوزه دون إحرام لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا تجاوزوا الوقت إلا بإحرام) الجامع الصغير للسيوطي، ومن تجاوزه فعليه العودة إليه أو لزمه الدم وهو ذبح شاة والتصدق بها لأهل مكة.

_ من لم يمر بأي من المواقيت المكانية المذكورة فإنه يحرم من محاذاة أقرب ميقات له ولا يتجاوزه.

_ المواقيت المكانية لأهلها المذكورين ولمن جاء من جهتها من غير أهلها إن قصد الحج أو العمرة.

_الأفضل الإحرام من الميقات المكاني وعدم التقدم عليه فقد كره الإمام مالك رحمه الله ذلك مع لزومه.

_ومن تجاوز الميقات لحاجة أو غرض معين دون قصد الحج أو العمرة ثم طرأت عليه نية الحج والعمرة فإنه يحرم من حيث هو.

_ ولا يجوز لغير مكي أن يدخل مكة حلالا ، وأقل ما عليه في دخولها عمرة إلا من كان من أهل القرى المجاورة المترددين بالحطب والفواكه وغيره.

_ ويغتسل الحاج عند الميقات للإحرام وهو سنة حتى للحائض والنفساء ويستحب أن يكون إحرامه إثر صلاة يصليها قاصدا لذلك ولو كانت صلاة مكتوبة أو نافلة.

_ ويتجرد من الثياب المخيطة ويلبس ثياب الإحرام ، ثم يهل وهو أن يقول (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك) ثم ينوي نسكه، وهو (حجا مفردا / أو عمرة متمتعا بها إلى الحج / أو القران وهو إدخال العمرة في الحج يجمعهما بإحرام واحد) ويستمر في التلبية ليلا ونهارا وفي كل مكان يصلح للتلبية.

وخلاصة القول فإن المواقيت الزمانية والمكانية يتجلى فيها معنى التعبد المحض والتسليم المطلق للشارع الحكيم، ولا مجال فيها لإعمال العقول بل الواجب فيها الطاعة والانقياد والقبول طلبا لمرضاة الله تعالى، وحصول الأجر والثواب، ولهذا كان من قواعد أهل العلم أن الأصل في العبادات التوقف ما لم يرد الدليل من الشارع فلا تعبُّد لله تعالى إلا بما شرع ولا يجوز عبادته بالبدع.

وهذا الضبط التعبدي في المواقيت المكانية والزمانية يتعلم منها المكلف الضبط والنظام في حياته كلها لتحقيق النجاح والفلاح، والبعد التام عن الفوضى والتسيب والارتجال، وبهذا يظهر جليا علاقة العبادات بالمعاملات فكلما ترسخت العبادات بجوهرها وحقيقتها في حياة الناس كلما انتظمت حياتهم المعاشية وصلح حالهم فتعميق العلاقة مع الحق محبة وانقيادا، تعزز العلاقة مع الخلق رحمة واحتسابا وهذا هو المقصود الأسمى للشريعة بتحقيق الاستخلاف البشري من خلال العبادة والعمران. والله الهادي إلى سواء السبيل

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *