الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده:
مقدمة:
يستند المنهاج السياسي في الإسلام ــ بأصوله الكلية وتفاصيل أحكامه ــ إلى مصدرين أساسيين
هما: القرآن الكريم والسنة النبوية قولًا وفعلاً وتقريرًا، وقد شكّل هذان المصدران الأساس النظري والعملي لتنظيم شؤون الحكم، وضبط علاقة السلطان بالأمة، وتحديد مقاصد السلطة ووظائفها، غير أنّ البناء السياسي الإسلامي لم يقف عند حدود الممارسة النبوية، بل امتدّ إلى المرحلة الراشدة التي جاءت استمرارًا وتطبيقًا حيًّا للخطاب النبوي، بما تمثله من أنموذج مكتمل في تطبيق الشورى، والعدل، ورعاية مصالح الأمة
وقد دلت النصوص الشرعية على حجية هذا الامتداد؛ ففي الحديث الصحيح قوله عليه الصلاة والسلام: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديِّين من بعدي تمسّكوا بها وعضّوا عليها بالنواجذ وإيّاكم ومحدثات الأمور )، أخرجه أبو داود والترمذي وفي هذا توجيه صريح إلى ضرورة الاقتداء بمنهاج الحكم الراشدي، والنأي عن المحدثات التي تخالف هدي النبي صلى الله عليه وسلم وهدي خلفائه الراشدين. ومن ثمّ فإنّ السنة المأمور باتباعها في الحديث تشمل المنهاج السياسي في الحكم وإدارة الدولة، لأن الحديث ورد في سياق يبرز أهمية الالتزام بمنهج الحكم الصحيح باعتباره من أوثق جوانب الهدي والسنة وأعظمها أثرًا في حياة الأمة وأن الشريعة قد كملت في حياة النبي عليه الصلاة والسلام ولكن حاجة الأمة لممارسة الخلافة والحكم في غيبة المعصوم عليه الصلاة والسلام كانت ماسة كما ستعالج مجالات وموضوعات لم تقع في حياته عليه الصلاة والسلام ومن خلال الأنموذج النبوي والراشدي يكتمل التصور النظري والعملي للمنهاج السياسي الإسلامي في ظل قيادة النبي المعصوم والخليفة والإمام غير المعصوم.
ولما كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه أول خليفة للمسلمين عقب وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد شكّلت خلافته المرحلة الأولى من التطبيق العملي للمنهاج السياسي الإسلامي بعد انقطاع الوحي وانتقال الرسول الكريم إلى الرفيق الأعلى، وتميزت فترة خلافته بجملة من الخصائص التي أبرزت الأسس الشرعية في اختيار الحاكم وبيعته، كما كشفت خطبته الأولى عن ملامح برنامجه السياسي، والتي تُعد وثيقة مهمة في الفقه السياسي الإسلامي من حيث تحديدها لطبيعة السلطة ووظائفها ومسؤوليات الإمام وحقوق الأمة
ومن هنا، تسعى هذه المقالة إلى إبراز جانبين رئيسين من التجربة السياسية لأبي بكر الصديق رضي الله عنه:
1/ منهج اختيار الأمة لأبي بكر الصديق وبيعته، وما انطوى عليه من شورى، ورضا عام، وقواعد سياسية راسخة.
2/ معالم برنامجه السياسي كما وردت في خطبته الأولى، وما تحمله من مبادئ عقدية وأخلاقية وسياسية شكّلت أساس الحكم الراشد.
وتهدف هذه القراءة إلى بيان أنّ التجربة السياسية الراشدة ليست مجرد أحداث تاريخية، بل هي مرجعية معيارية تستند إليها دراسات السياسة الشرعية، وتُسهم في توجيه النظر المعاصر نحو أنموذج حكمٍ يقوم على العدل، والشورى، والأمانة، وصيانة المجتمع من الفساد والفرقة.
أولًا : اسمه ونسبه ومكانته:
أبو بكر الصديق هو عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي، ويلتقي نسبه مع النبي ﷺ في مُرّة بن كعب. لُقّب بالصِّدِّيق لسبقِه إلى تصديق رسول الله ﷺ في كل ما جاء به، وخصوصًا في حادثة الإسراء والمعراج، وُلد بعد النبي ﷺ بسنتين وأشهر، وتوفي عن ثلاثٍ وستين سنة، مثل عمر النبي ﷺ.
كان من سادة قريش المرموقين في الجاهلية، معروفًا برجاحة العقل، وحسن السيرة، وخبرة واسعة بالأنساب، ولما بُعث النبي ﷺ كان أبو بكر من أوائل من أسلم، بل هو أول الرجال إسلامًا، وقد شهد له النبي ﷺ بعلوّ مكانته، فقال: (ما كلمتُ في الإسلام أحدًا إلا أبى عليّ وراجعني الكلام إلا ابن أبي قحافة، فإني لم أكلمه في شيء إلا قبِله واستقام عليه) أخرجه أبو نعيم والديلمي وابن عساكر في تاريخه.
وكان صاحب النبي ﷺ في الهجرة، ونزلت فيه آية الغار:(ثانيَ اثنين إذ هما في الغار) التوبة/40، وهي أعظم شهادة لصحبته وفضله. وقد تواترت النصوص التي تدل على مكانته العظيمة عند الله ورسوله وفي قلوب الصحابة.
إشارات النبي ﷺ إلى تفضيله لأبي بكر:
لم يصرّح النبي ﷺ بتعيين خليفة باسمه قبل وفاته، لكنه ترك دلائل واضحة تُظهر أن أبا بكر أحق بالخلافة، ومن هذه الدلائل:
- إمامته للناس في الصلاة:
لما اشتد مرض النبي ﷺ قال: (مُروا أبا بكر فليصلِّ بالناس) متفق عليه، وكانت الصلاة أعظم شعائر الدين، واختيار الإمام فيها إشارة قوية إلى أولويته في إمامة الأمة. - رغبته في كتابة كتاب يقطع النزاع:
قالت عائشة رضي الله عنها: قال النبي ﷺ:( ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابًا، فإني أخاف أن يتمنى متمنٍّ ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر) أخرجه مسلم . - الأمر بالاقتداء به:
قال النبي ﷺ: (اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر) أخرجه الترمذي وأحمد ، وهو تصريح بفضله ولزوم الاقتداء به وعظيم مكانته بعد النبي عليه الصلاة والسلام. - تخصيص بابه بالبقاء مفتوحًا في المسجد:
قال ﷺ قبل وفاته: (لا يُبقينَّ بابٌ في المسجد إلا سُدّ، إلا باب أبي بكر) أصله في البخاري وأحمد ، وهي إشارة إلى شرفٍ لا يشاركه فيه أحد. - إحالته السائلين إليه بعد موته:
قال رسول الله ﷺ لامرأة سألته عن أمر تعود إليه فيه:( فإن لم تجديني فأتي أبا بكر) متفق عليه. - إخباره بأن أبا بكر هو مرجعية الزكاة بعده: عن أنس رضي الله تعالى عنه قال بعثني المصطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن سله إلى من ندفع صدقاتنا بعدك فأتيته فسألته فقال: (إلى أبي بكر) أخرجه الحاكم.
هذه النصوص مجتمعة وغيرها تبين بوضوح أنّ النبي ﷺ كان يرى أبا بكر الأحق بخلافته، وأن الأمة ستجتمع عليه.
ومع وضوح هذه الإشارات، واجه المسلمون بعد وفاة النبي ﷺ موقفًا حاسمًا يتطلب اختيار قائد وإمام وخليفة يجمع الكلمة ويوحّد الصف، وهنا يبرز السؤال: كيف تعامل الصحابة مع هذا الحدث الجلل؟ وكيف تمت بيعة أبي بكر الصديق خليفة للمسلمين؟
ثانيًا: طريقة اختيار أبي بكر وكيفية مبايعته:
لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتقى إلى الرفيق الأعلى أصابت الناس دهشة عظيمة، حتى إن عمر بن الخطاب أخذ يهدد ويتوعد كل من يقول: “مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها قالت: وقال عمر: (والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك، ولَيَبْعَثَنَّهُ اللهُ ولَيَقْطَعَنَّ أيدي رجالٍ وأرجلهم) أخرجه البخاري.
وكان أبو بكر غائبًا ذلك اليوم، فلما حضر كشف الأمر للمسلمين وأكد لهم حقيقة موت النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء عن الزهري قال: حدّثني أبو سلمة عن عبد الله بن عباس: أن أبا بكر خرج وعمر يكلم الناس، فقال: “اجلس يا عمر”. فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه وتركوا عمر. فقال أبو بكر:(أما بعد، فمن كان منكم يعبد محمدًا صلى الله عليه وسلم فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت).
ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ آل عمران/144.
فقال عمر: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها، فعقرت حتى ما تُقِلُّني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات. وكان ذلك يوم الإثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة للهجرة.
بعد أن تيقّن الصحابة من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، بادروا في أمر الخلافة، فالتف المهاجرون حول أبي بكر، واجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة حول زعيمهم سعد بن عبادة. أما علي والزبير ومن معهما فانشغلوا بتجهيز النبي صلى الله عليه وسلم.
فلما بلغ خبر اجتماع الأنصار إلى المهاجرين، ذهبوا إليهم لمناقشتهم في أمر الخلافة وجمع كلمة المسلمين على رجل واحد، وقد روى ذلك الإمام البخاري من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فيما يرويه عن خطبة عمر رضي الله عنه، التي جاء فيها قوله:(إنه قد كان من خبرنا حين توفّى الله نبيّه صلى الله عليه وسلم أن الأنصار خالفونا، واجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، فقلت لأبي بكر: يا أبا بكر، انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار. فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم لقينا رجلين صالحين منهم، فذكرا ما تمالأ عليه القوم. فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار. فقالا: لا عليكم ألّا تقربوهم، اقضوا أمركم. فقلت: والله لنأتينهم». قال عمر: «(فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجل مُزَمَّلٌ بين ظهرانيهم، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا سعد بن عبادة. فقلت: ما له؟ قالوا: يوعَك. فلما جلسنا قليلًا تشهّد خطيبهم، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: نحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم – معشر المهاجرين – رهط، وقد دَفَّتْ دافّة من قومكم، يريدون أن يختزلونا من أصلنا، وأن يحضنونا من الأمر)، قال عمر: (فلما سكت أردت أن أتكلم، وكنت قد زوّرت مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر، وكنت أداري منه بعض الحدّ، فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر: على رسلك. فكرهت أن أغضبه. فتكلم أبو بكر، فكان هو أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها، حتى سكت) ، ثم قال أبو بكر: (ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحَيّ من قريش، هم أوسط العرب نسبًا ودارًا، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم (وأخذ بيد عمر وبيد أبي عبيدة بن الجراح)، قال عمر: (فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن أقدَّم فتُضرب عنقي لا يقربني ذلك من إثم، أحب إليّ من أن أتأمّر على قوم فيهم أبو بكر – اللهم إلا أن تسوِّلَ إليَّ نفسي عند المنصب شيئًا لا أجده الآن) ، فقال قائل من الأنصار: (أنا جَذِيلُها المُحَكَّكُ، وعُذَيْقُها المُرَجَّب؛ منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش) ، .فكثر اللغط وارتفعت الأصوات، حتى خشِيَ عمر من الفتنة، فقال: (ابسط يدك يا أبا بكر نبايعك).فبسط يده فبايعته، وبايعه المهاجرون، ثم بايعه الأنصار).
وفي اليوم التالي خرج أبو بكر إلى المسجد فبايعه الناس فيما عُرف بالبيعة العامة، وقد جاء عن الزهري عن أنس بن مالك قال: سمعت عمر يقول لأبي بكر يومئذ: اصعد المنبر. فلم يزل به حتى صعد المنبر، فبايعه الناس عامة.
وبذلك كانت بيعة أبي بكر بإجماع الصحابة. يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: (وقد اتفق الصحابة رضي الله عنهم على بيعة الصديق في ذلك الوقت، حتى علي بن أبي طالب والزبير بن العوام رضي الله عنهما)، والدليل على ذلك ما رواه البيهقي عن أبي سعيد الخدري قال :(قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتمع الناس في دار سعد بن عبادة، وفيهم أبو بكر وعمر. فقام خطيب الأنصار فقال: أتعلمون أننا أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنحن أنصار خليفته كما كنا أنصاره. فقام عمر بن الخطاب فقال: صدق قائلكم، ولو قلتم غير هذا لم نبايعكم. ثم أخذ بيد أبي بكر وقال: هذا صاحبكم فبايعوه. فبايعه عمر، وبايعه المهاجرون والأنصار، ثم قال: فصعد أبو بكر المنبر، ونظر في وجوه القوم فلم ير الزبير، فدُعي الزبير فجاء. فقال له عمر: ابن عمّة رسول الله صلى الله عليه وسلم! أَرَدْتَ أن تشق عصا المسلمين؟ قال: لا تثريب عليك يا خليفة رسول الله. فقام فبايعه. ثم نظر فلم ير عليًا، فدُعي بعلي بن أبي طالب. فقال له عمر: ابن عم رسول الله وخَتَنه على ابنته! أَرَدْتَ أن تشق عصا المسلمين؟ قال: لا تثريب عليك يا خليفة رسول الله فبايعه.
هذه هي ملامح اجتماع السقيفة مع بعض التفصيلات هنا وهناك، ونعرض فيما يأتي جملة من الملاحظات التي نراها مهمة في سياق بحثنا، وذلك على النحو الآتي:
1 ـ إن أول اختلاف وقع بين المسلمين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم هو اختلافهم في أمر الإمامة، وكان اختلافًا سياسيًا محضًا، وليس عقائديًا. وقد زال هذا الخلاف سريعًا بسبب قوة العامل الديني ورسوخ الأخوّة الإيمانية بين المسلمين؛ فسرعان ما توارت تطلعات النفوس أمام سلطان الدين وقوة تأثيره.
2 ـ نظر الأنصار إلى أنهم أحق بالأمر بناءً على ظروف المجتمع المدني والعلاقة التاريخية بين المهاجرين والأنصار، وأنهم أصحاب الدار والأرض، فكانت نظرتهم محدودة من حيث الإطار الجغرافي والسياسي. وأما المهاجرون فقد نظروا نظرة أوسع على مستوى الدولة والأمة كلها، وما قد يترتب على خروج السلطة من قريش من عواقب كبيرة، بناءً على أن العرب تدين لقريش ولا تدين لغيرها وهي قراءة ترتكز على سنن الاجتماع البشري المؤثرة في النظم والتحولات السياسية.
3 ـ ساد الاجتماع روح الحوار الراقي القائم على الحجج التي يستند إليها كل طرف، مع إعطاء كل طرف الفرصة الكافية لعرض رأيه والرد على الطرف الآخر، بحثًا عمّا يحقق مصلحة الجماعة ويجمع كلمتها، ويجنبها ظواهر الافتراق.
4 ـ لما رأى الأنصار قوة حجة المهاجرين طرحوا عدة خيارات وبدائل، كقولهم: (منا أمير ومنكم أمير)، وطرحوا اعتماد سياسة التداول السلمي بين المهاجرين والأنصار، كما جاء في بعض الروايات:(أن الأنصار قالوا: أولًا نختار رجلًا من المهاجرين، فإذا مات اخترنا رجلًا من الأنصار، فإذا مات اخترنا رجلًا من المهاجرين كذلك أبدًا؛ فيكون أجدر أن يشفق القرشي إذا زاغ أن ينقض عليه الأنصاري، وكذلك الأنصاري).
ومن خلال هذه الرواية يتضح أن الأنصار كانوا يرون فكرة التداول بين الفريقين، ولم يقل لهم أحد من المهاجرين إنكم أتيتم منكرًا من القول وزورًا، بل كانت الردود كلها تقوم على الاعتبارات المصلحية، مما أدى في النهاية إلى أن تنتهي المداولات بنوع من المشاركة السياسية القائمة على وحدة الإمامة بين المهاجرين والأنصار، على أن يختص الأنصار بالوزارة والمهاجرون بالإمامة.
وهذا ما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها، وفيه أن أبا بكر قال:(نحن الأمراء وأنتم الوزراء)
فقال الحباب بن المنذر:( لا والله لا نفعل، منا أمير ومنكم أمير).
فقال أبو بكر: (لا، ولكن نحن الأمراء وأنتم الوزراء). وفي رواية أخرى: قال أبو بكر: (نحن الأمراء وأنتم الوزراء، وهذا الأمر بيننا وبينكم).
5 ـ وبعد تحقق الشورى بين المهاجرين والأنصار في أجواء من الحرية السياسية، وبعيدًا كل البعد عن أساليب القهر والإكراه والاضطهاد، وبعد الاتفاق على تقسيم الاختصاصات بين المهاجرين والأنصار، انتهى الأمر إلى مبايعة أبي بكر رضي الله عنه بصورة جماعية أخذت شكل الإجماع، بدءًا بالبيعة الخاصة وانتهاءً بالبيعة العامة.
والجدير بالذكر أن عليًا رضي الله عنه غضب لعدم استشارته في أمر الخلافة؛ وتشير بعض الروايات في الصحيحين إلى أن بيعته تأخرت ستة أشهر. لكن صحت روايات أخرى تفيد بأنه بايع في اليوم الذي جرت فيه البيعة العامة. وقد وضّح سبب غضبه بقوله:( ما غضبنا إلا لأنا أُخِّرنا عن المشاورة، وإنا نرى أبا بكر أحق الناس بها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إنه لصاحب الغار وثاني اثنين، وإنا لنعلم بشرفه وكِبَره، ولقد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة بالناس وهو حي).
وقد جمع ابن كثير وابن حجر بين الأحاديث الصحيحة بأن عليًا بايع أول الأمر مع الناس، ثم بايع بعد وفاة فاطمة تأكيدًا للبيعة الأولى، وإزالة لما حدث من جفوة بسبب الخلاف المتعلق بالميراث.
وبذلك تكون تولية أبي بكر الصديق رضي الله عنه قد مرت بثلاث مراحل واضحة:
- الترشيح: وهو الذي قام به عمر بن الخطاب.
- البيعة الخاصة وهي أشبه بموافقة أهل الحل والعقد: وهي التي حدثت في سقيفة بني ساعدة، وكان المشاركون فيها يمثلون مختلف الاتجاهات الاجتماعية في المدينة.
- البيعة العامة: وهي التي تمت في المسجد في اليوم التالي لاتفاق السقيفة، وفيها تقدم الناس جميعًا لمبايعة أبي بكر.
ويبدو من خلال المناقشات في اجتماع السقيفة أن شرط القرشية في الإمامة لم يكن مشهورًا أو منتشرا بين الصحابة آنذاك؛ وإلا لما نازع فيه الأنصار، ولما احتج أبو بكر وعمر بكون قريش وسط العرب وأحقهم بالسلطان بناءً على قول النبي صلى الله عليه وسلم. ولكن الروايات الصحيحة تثبت أن المهاجرين لم يحتجّوا على الأنصار بالنصوص الواردة في أحقية قريش بالأمر؛ إما لأن النصوص لم تخطر ببالهم في لحظة الجدال، أو لأن الصديق اكتفى بتضمينها في أثناء حديثه، أو لأن فهم الصحابة لها كان على خلاف ما فهمه المتأخرون من أن القرشية شرط في الإمامة.
وخلاصة القول:
يتبين أن بيعة أبي بكر تمت عن اختيار ورضا وشورى بين المسلمين، وقد تحقق فيها الإجماع المطلوب، وأن اختيار الأمة وقع موقعه الموافق للنصوص الواردة في رغبة النبي صلى الله عليه وسلم بتولية أبي بكر، ورضاه عنه، كما سبق بيانه. وهذا إن دلّ على شيء، فإنما يدلّ على عصمة الأمة عند اجتماعها.
ثالثًا: البرنامج السياسي لأبي بكر الصديق رضي الله عنه:
ما إن تمت البيعة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه من الصحابة الكرام عقب وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، حتى وقف في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقي خطبة هي الأولى له في مقام الخلافة، وقد كانت هذه الخطبة – على إيجازها – بيانًا شاملاً لأسس القيادة السياسية في الإسلام، ومنطلقًا يعلن عبره رؤيته العقدية والتربوية والاجتماعية والإدارية، ولقد صاغ أبو بكر منظومة من المبادئ والقيم في كلمات موجزة، لكنها بالغة العمق والدلالة، فقال:(أيها الناس، إني قد وُلِّيت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا أخذهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم). السيرة النبوية لابن هشام ..وعيون الأخبار لابن قتيبة.
وتمثل هذه الكلمات ركائز حقيقية لبرنامج سياسي متكامل، يعبر عن رؤية خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في إدارة الدولة، ويؤسس لمبادئ الحكم الراشد في الإسلام، ويمكن استخراج أبرز معالم هذا البرنامج من خلال المحاور الآتية:
أولًا: قيمة المساواة والتواضع ونفي العصمة:
افتتح أبو بكر خطبته بقوله: (وُلِّيت عليكم ولست بخيركم)، وهذه الجملة – على قصرها – تُعد إعلانًا واضحًا أن الخليفة فرد من أفراد الأمة، تولّته الأمة باختيارها، ولم يُرفع فوق الناس بقداسة ولا عصمة، ولا استمد سلطانه بتفويض إلهي، وهذا يُعد نقلة نوعية في الفكر السياسي الإنساني، إذ ينزع عن الحاكم ادعاء التميّز الفطري، ويجعله مسؤولًا أمام الأمة ومسؤولًا أمام الله تعالى.
وبذلك يكون أبو بكر قد وضع أساسًا مهمًا لمنع الاستبداد، فالخليفة بشر؛ يصيب ويخطئ، فإذا أحسن وجب على الأمة أن تعينه، وإذا أساء وجب عليها أن تقومه بالنصح والإصلاح. وهذا يرسخ قيمة الشورى، ويبرز حق الأمة في الرقابة والمساءلة.
وهذا المبدأ يتناسق مع المنهج القرآني الذي أكد بشرية النبي صلى الله عليه وسلم ونفى عنه صفات الألوهية، فقال تعالى:﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ الكهف/110،: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ الإسراء 93.
وإذا كان النبي بشرًا ولكنه معصوم في تبليغ الرسالة، فمن باب أولى أن يكون غيره من الحكام محكومين بميزان الشريعة، وليس لهم أي حق في ادعاء القدسية أو التعالي على الأمة. وهكذا أسس أبو بكر منذ اللحظة الأولى مبدأ محوريًا في النظام السياسي الإسلامي وهو أن: الحاكم يُقاس بمدى التزامه بالشريعة، والشريعة ليست ملكًا للحاكم، بل الأمة كلها شريكة فيها تعليمًا وتكليفًا ومسؤولية.
ثانيًا: قيمة الصدق وأنه أساس الحكم الرشيد:
بعد أن رسّخ أبو بكر قيمة التواضع والمساواة، انتقل إلى بيان أول شرط من شروط نجاح الولاية العامة، فقال:( الصدق أمانة والكذب خيانة)، فالصدق لا يقتصر على السلوك الفردي، بل هو ركن من أركان ممارسة السلطة، إذ لا قيام لولاية بلا شفافية، ولا استقامة لحكم مع الكذب.
فحين يغيب الصدق، تغيب الرقابة وتضيع الحقوق، ويتحول الحكم إلى مجال للفساد والظلم. والقائد الكاذب يجرّ أمته إلى الفجور، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:(وإياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار). ويؤكد القرآن هذه القيمة بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ التوبة/119.
إن هذا التأكيد على الصدق يعني أن الحكم في الإسلام ليس مجرد سلطة إدارية، بل هو التزام أخلاقي، وواجب شرعي يقوم على الأمانة.
ثالثًا: قيمة العدل وأنه أساس الملك واستقامة الأمة:
يقول أبو بكر: (والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه) وهذه العبارة تلخص فلسفة الحكم في الإسلام: لا أحد فوق القانون، ولا مكان للتمييز أو المحاباة.
فالسلطان في نظر أبي بكر ليس صاحب نفوذ يتفضل على الناس، بل هو أداة لإقامة القسط بينهم. والعدل هنا ليس مفهومًا مجردًا، بل ممارسة عملية تقتضي دعم الضعيف إذا ظُلِم، ومحاسبة القوي إذا اعتدى، ولو كان ذا منصب أو مكانة.
وهكذا وضع أبو بكر قاعدة واضحة: رعاية الحق وإقامته مقدمة على الأشخاص، والهوية الحقيقية للحاكم تظهر في انحيازه للحق لا للنفوذ.
رابعًا: قيمة العفة والأخلاق وأنه أساس البناء الاجتماعي:
قال أبو بكر: (ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء)، وهذه العبارات تظهر البعد الأخلاقي العميق في برنامج أبي بكر السياسي؛ إذ يرى أن البناء الاجتماعي لا يقوم إلا على الطهر والعفة، وأن انتشار الفاحشة يهدد استقرار المجتمع كله، لا أفرادًا محدودين.
فالأخلاق هنا ليست شأنًا شخصيًا، بل هي ركن من أركان السياسة العامة، لأن المجتمع حين تنحرف أخلاقه يتهدم بنيانه، وتسود فيه الفوضى، ويتبدد فيه الأمن، ومن هنا فإن الدولة في الإسلام ليست مسؤولة عن العدالة فقط، بل مسؤولة كذلك عن حماية الأخلاق العامة.
خامسًا: قيمة الجهاد وكونه ضمانة لعزة الأمة:
قال الصديق رضي الله عنه: (لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا أخذهم الله بالذل).
فالجهاد عند أبي بكر ليس مجرد قتال، بل هو منظومة شاملة لحماية الأمة من العدوان، وصون قيمها، ومنع الظلم من أن يستفحل. وإن ترك الجهاد يؤدي إلى ذل الأمة وسقوط هيبتها، لأن الأمم لا تحفظ مكتسباتها ولا تحمي أوطانها إلا بقوة تدافع بها عن نفسها.
وقد طبّق أبو بكر هذا المبدأ عمليًّا حين قاد حروب الردة، فأعاد للدولة هيبتها، وصان وحدتها، وفتح الطريق أمام الفتوحات الإسلامية الكبرى.
سادسًا: قيمة الطاعة المشروطة بالمعروف:
اختتم أبو بكر خطبته بقوله:(أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم)، وهذه قاعدة ذهبية في النظام السياسي الإسلامي: لا طاعة مطلقة للحاكم، بل طاعة مقيدة بالشرع، ومشروطة بالمعروف.
فالطاعة ضرورة لقيام الجماعة واستقرار الولاية العامة والخاصة، لكنها ليست أداة لاستعباد الناس ولا لإسكاتهم. فإن انحرف الحاكم عن الشريعة، سقطت عنه شرعية الطاعة في المعصية، وبذلك يتحقق التوازن بين حاجة الولاية للانضباط، وحق الأمة في الحفاظ على دينها وكرامتها.
لقد ظهرت ملامح البرنامج السياسي لأبي بكر الصديق منذ اللحظة الأولى لبيعة المسلمين له، فكانت خطبته الأولى وثيقةً سياسية وفكرية متكاملة، رسمت أركان الحكم الرشيد في :
التواضع والمساواة، والصدق والشفافية، والعدل والإنصاف، وصيانة الأخلاق، والجهاد لحماية الأمة، والطاعة المقيدة بالشرع.
وهكذا قدّم أبو بكر أنموذجًا للخلافة الراشدة التي جمعت بين نقاء التصور العقدي، وسداد الرؤية السياسية، والتطبيق العملي القائم على الشريعة والأخلاق، فكانت خلافته امتدادًا لنهج النبوة ومنارة تستضيء بها الأجيال.
وخلاصة القول فقد تبين أن خلافة أبي بكر الصديق قامت على الشورى الاختيارية والرضا والقبول من الأمة ومكوناتها المختلفة بما يحقق مقاصد الولاية في حراسة الدين وسياسة الدنيا به وأنها فعلًا كانت خلافة على منهاج النبوة في تأسيسها وسيرها وصيرورتها كما أخبر بذلك الصادق الأمين فيما رواه الإمام أحمد في “المسند” عَنِ حُذَيْفَةُ، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا، فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ نُبُوَّةٍ ).
د. حسن سلمان