فتح الحبشة

7 مارس 2020 1061

محطات أساسية حول دخول الإسلام في الحبشة

يتساءل البعض قائلا لماذا لم يفتح المسلمون الأوائل أرض الحبشة بالقتال كما فتحوا بقية البلدان الأخرى رغم بعدها عن مهد الإسلام في مكة والمدينة؟

أولًا: هذه محطات أساسية حول دخول الإسلام للحبشة والإجابة عن السؤال المتقدم:
1/ إن استراتيجية الإسلام مع الحبشة كانت مبنية على أنها أرض مسالمة وعلى رأسها رجل مسلم هو النجاشي وقد هاجر إليها الصحابة الكرام الهجرتين الأولى والثانية وأحسن النجاشي ضيافتهم واستقبالهم وقد صدق فيه قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه) وكونها مسالمة وغير ممانعة للدعوة جعلها خارج الأولويات الحربية ولعل في هذه الفترة قيل الأثر: (دعوا الحبشة ما ودعوكم) [أبو داود].
ومن الجميل حفظ المعروف لأهل الحبشة الذين كانت أرضهم  أول أرض تستقبل المسلمين وتحميهم من أعدائهم فلم يكن من الحكمة غزوها كما هو الحال في أرض اليمن من حيث القبول بالدعوة دون حرب مع التركيز على الجزيرة العربية ومواجهة قريش فيها باعتبارها القوة التي وقفت في مواجهة الدعوة الإسلامية وعدم تشتيت الجهود الحربية وخاصة في بلدان لا تشكل خطرا وجوديا على المسلمين ودولتهم كالحبشة حينها.

2/ ولكن في فترة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بعث لها قوة فتح أو لعلها قوة تأمين من القراصنة وكان حينها النجاشي قد توفي وتولى غيره ولكن وجدت القوة مقاومة شرسة فلم يحرص عمر على تكرارها وكان من سياسة عمر عدم المخاطرة بالمسلمين في خوض البحار وطبعا البحر الأحمر يقع بين الحبشة وأرض الحجاز.

3/ وفي عام (84) للهجرة شكل القراصنة الأحباش خطرًا على الدولة الإسلامية وأرض الحرمين فجرد لهم عبدالملك بن مروان جيشًا وأقام أول إمارة في جزيرة دهلك بالقرب من ميناء مصوع الإرتري الحالي وكان ذلك بداية فعلية لفتح الحبشة عسكريًا وإن كان الغرض من ذلك بسط الأمن ومنع التهديد للأراضي المقدسة.

4/ ثم كانت مرحلة تالية وهي عقد معاهدة مع مملكة البجة وكانت تشمل بعضًا من أرض الحبشة ثم في مرحلة رابعة قامت ممالك الطراز الإسلامي وهي سبعة إمارة إسلامية على الساحل الممتد غرب البحر الأحمر وتمدد جزء منها في قلب الهضبة الحبشية ومنها مملكة شوا التي أقامها المخزوميون واستمرت عدة قرون ثم تراجع الزحف الإسلامي بسبب الغزو البرتغالي المساند للوجود المسيحي في الحبشة والقرن الإفريقي وتم مواجهة هذا الغزو عن طريق المسلمين في القرن الأفريقي وبدعم من الخلافة العثمانية وسيطر المسلمون على أغلب الأقاليم في الحبشة ومع الاستعمار الحديث وغياب دولة الخلافة تراجع نفوذ المسلمين في المنطقة سياسيًا ودعويًا.

ومن أفضل الفترات تصدرًا للمشهد السياسي من قبل المسلمين هي تلك الفترة التي ظهر فيها الفاتح الكبير الإمام أحمد بن إبراهيم الغازي وهذه الفترة نفردها لوحدها لأهميتها .

ثانيًا: الإمام أحمد والفتح الكبير وتوحيد الإمارات الإسلامية:
بينما كانت منطقة الحبشة تمر بفترة مضطربة من جراء الحروب بين النصارى والمسلمين التي لم تسفر عن انتصار أحد الطرفين وإحراز سيطرة تامة على الوضع، ظهر عامل آخر في صفحة تاريخ الحبشة اكتسح فيه المسلمون خلالها جميع بلاد الحبشة بقيادة الفاتح الكبير الإمام أحمد بن إبراهيم الغازي المشهور بلغة الحبشة بالجران أي الأشول 912 – 950 هـ 1506 – 1543م، وأصح ما ورد عن نشأته وأصله أنه ولد ونشأ في”هوبت” بين جلديسا ومدينة هرر، وكان خادمًا لجراد أبون أحد أمراء عدال المشهور بعدله، فما لبث أن أصبح جنديًا مخلصًا وفارسًا مغوارًا ، غيورًا على دينه وحريصًا على صلاح أمر المسلمين، مطلعًا على الوضع المتدهور لمملكة عدال داخليًا، وأقلقه انتشار الفساد وضياع الأمر وسوء حال الحكام، بدأ الإمام أحمد عمله الجهادي برد هجوم البطريق فانوئيل من أهل دوَّارو على بلاد المسلمين في بلاد هوبت مسقط رأسه، وحث المسلمين جميعًا على الجهاد والغزو في سبيل الله، وكان التجاوب سريعًا والانتصارات متتالية على قوات الإمبراطور لبنادنجل، وقد عاد إلى الإسلام عدد كبير ممن أرغمهم الإمبراطور على اعتناق النصرانية، كما انضمت إليه وتوحدت مع جيشه حركات السلطنات والممالك الإسلامية المتشتتة، في عام 1529م كانت المعركة الحاسمة بين الإمام والملك لبنادنجل في مكان يسمى شمبرا كورى بين دوكم وموجو الآن، انهزم فيها جيش النصارى وفر الإمبراطور لبنادنجل، ولم يملك حتى الدفاع وأصبح طريدًا حتى مات 1541م.

إن الانتصارات العسكرية للإمام أحمد مكنته من السيطرة على ثلاثة أرباع أرض الحبشة، وكان هذا إيذانًا لزوال الملك النصراني وضربًا لمصالح وآمال البرتغال التي جاءت إلى المشرق لحماية النصارى، مما جعلها تعمل على الانتقام من الإمام أحمد وإعادة ملك النصارى في أبيسينيا، حيث وصلت الحملة العسكرية التي تحركت من ميناء مصوع الذى كان تحت سيطرة البرتغال في ذلك الوقت، ودارت المعارك بين جيش الإمام والبرتغال في عدة مواقع قتل في إحداها كرستوفر دغاما أخو الرحالة المعروف بفاسكو دجاما، صارت المعركة الأخيرة بعد تعزيز قوات البرتغال وحصول الضعف الاستراتيجي من جانب الإمام، استشهد فيها الإمام أحمد، وتفرقت جيوشه، واستطاع كل من قواده المعروفين “الأمير نور مجاهد، ووزير عباس، وزوجة الإمام العودة إلى هرر بمن بقى من الجيش.

كان عهد الإمام مع قصره متميزًا بالسيطرة التامة على أنحاء الحبشة تحت راية الإسلام، فلم يتيسر لأي ملك قبله أن يوطد حكمه بلا منازع لمدة 25 عامًا، فقد دان لحكم الإمام جميع المواطنين ما عدا الأسرة المالكة التي استغاثت بالبرتغال، انتهت بهذا الفتح الإمارات والسلطنات الإسلامية التي تعرف بممالك الطراز، حيث انضمت كلها إلى جيش الإمام وصارت دولة واحدة تحت إمام واحد، وبقيت هرر الحصن المنيع للمسلمين فيما بعد، ومركزًا حضاريًا يشع منه نور الإسلام وهداه غير آبه بالهزائم والانتصارات الحربية.

وعمومًا ضعف النفوذ السياسي لمسلمي منطقة الحبشة عامة في ظل الهيمنة المسيحية المسنودة من القوى الدولية بالرغم من استمرار المقاومة وتعدد أشكالها ولكن دون ظهير وسند سياسي بعد سقوط الدولة العثمانية التي ظلت ظهيرًا للمسلمين في مواجهة الحملات الخارجية ولكن بالرغم من كل التحديات الداخلية والخارجية فقد تمسك المسلمون بدينهم وهويتهم والمستقبل أمامهم يحمل الكثير من البشريات مع تنامي الوعي الديني والسياسي والقدرة على فهم الواقع الداخلي والتحديات الخارجية والتعامل معها بحكمة ورشد.

يوجد 2 تعليقات

  1. موضوع رائع
    جزاكم الله خيرا وجعلكم سبب لإعادة الأمل في
    مسلمي ارتريا بنشر العلم الشرعي وتوحيد الكلمة.
    كما يعول عليكم الأمل في التواصل مع المسلمين في القرن الافريقي وتحقيق التواصل الاجتماعي مع الروابط المناظرة من أجل وحدة المسلمين في المنطقة. والعمل وفق استراتيجية مستقبلية لتوحيد جهود المسلمين.
    والتعاون الخلاق.ودعم الاستقرار و روح التعايش الذي كان السمي الغالبة في المنطقة.
    ولكم فائق التقدير والاحترام

    1. محمد أبو تسنيم

      مقال جميل وماتع ولو زين ببعض الخرائط لبعض المدن المذكورة لكان التصور والاستيعاب أكثر…
      على العموم ما قصرت وجزاكم الله خيرا.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *