الجريمة والوقاية منها في التشريع الإسلامي (الحلقة الثانية)

17 يوليو 2020 242

بقلم/ أ. د. جلال الدين محمد صالح

دار الحديث في الحلقة الأولى عن تعريف الجريمة، وأول جريمة وقعت في التاريخ الانساني، ولابد من التذكير هنا أن لا جريمة من غير مجتمع بشري، ولا مجتمع بشري من غير جريمة، وهذا أدق من قولنا لا جريمة بلا إنسان، ولا إنسان بلا جريمة، فالأنبياء معصومون من الجرائم.

وقد تفشت الجريمة منذ ذلكم الحين، واستساغها قوم من ذرية آدم عليه السلام، ورأوا فيها متاعًا لهم ولذة، ويقول المؤرخون أمثال الطبري، وابن الجوزي إن هؤلاء هم ذرية آدم من نسل قابيل قاتل هابيل، حيث استمتعوا بالفاحشة وشرب الخمور وأصبح ذلك طبعًا فيهم غير معيب.

وفي هذا يروي ابن الجوزي في كتابه ( المنتظم في تاريخ الأمم والملوك) “أن قابيل بعد أن قتل أخاه هرب إلى اليمن، وشاع في أولاده الزنا، وشرب الخمور، فأوصى آدم ألا ينكح بنو شيث بني قابيل”.

ومعنى هذا أن الجريمة قد تورث حتى تصبح ثقافة عند قوم لا يرونها مطعنًا فيهم، كالدياثة والسرقة مثلًا، ولكن ما ترك الله البشرية هملًا، يسري فيها الإجرام، وتنهشها الجريمة، بل أرسل الرسل وأنزل التشريعات تنظم علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، غير أن البشر كلما طال عليهم الأمد قست قلوبهم فيضلون، وأول ما يضلون فيه مسألة عبوديتهم لله وحده بعبادة أوثان ينحتونها بأيديهم، فتتفشى فيهم الجريمة، باستباحة ما حرم الله.

وهنا يجدد الله فيهم دينه برسولٍ منهم، يعرفون نسبه، وطهارته، فمنهم من يؤمن، ومنهم من يكفر، وبتشريع من كهنة الكفر يحلون الذين كفروا ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله، والتاريخ يحدثنا عن الآشوريين والبابلين في أرض العراق أنهم عرفوا ما سمي (بالدعارة المقدسة) تمارس في المعابد، يفعلون ذلك إرضاء للإله عشتار أو عثتر.

وكذلك ظهرت فيهم تشريعات من صنع الإنسان من نحو شريعة حمورابي في البابليين، إلا أنها تشريعات تنبثق عن عقيدة الشرك بالله، ثم كانت حضارة أثينا، وروما التي عمت الأرجاء من الكرة الأرضية، وصار فيها مشروعون وتشريعات، كلها ما أنزل الله بها من سلطان، تقوم على الشرك بالله تعالى.

واليوم على هذا التراث الإشراكي تبني الفلسفة الغربية تشريعاتها في تحديد ما هو جريمة مما ليس جريمة، وبهذا يجب أن تكون عقيدة التوحيد أول خطوة في طريق مكافحة الجريمة والوقاية منها، كما كان الأمر أول مرة ببعث الرسل والدعوة إلى عبادة الله وحده، خالقهم والكون من حولهم .

وعلى هذه العقيدة التوحيدية يجب أن تتأسس الشرائع التي بموجبها تتحدد الجريمة من غير الجريمة، وحيًا من الله تعالى، إذ لا يحل لأحد أن يقول هذا حلال وهذا حرام من عند نفسه، بغير إذن من الله، والأصل في الأشياء الحل والإباحة، ولهذا من الشرك بالله أن يجعل التشريع لغير الله، وأنَّ من أطاع أحدًا من البشر فيما يحل ويحرم فقد اتخذه معبودًا.

وإلى لقاء لاحق في حلقة تالية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *