وذكرهم بأيام الله

18 أغسطس 2020 314

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين :

الزمن هو عبارة عن سيرورة نحو المستقبل منذ لحظة الوجود الأولى في بداية الخلق من خلال قوانين ناظمة وسنن ماضية ومرتبطة بحركة الكون الطبيعي وخاصة في مجرتنا الشمسية التي يتحدد فيها الزمن من خلال جريان الشمس وعلاقة الأرض بها وتعاقب الليل والنهار مشكلًا عنصر الوقت من ساعات وأيام وشهور وسنوات قال تعالى: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِی خَلَقَ ٱلَّیۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلࣱّ فِی فَلَكࣲ یَسۡبَحُونَ﴾ [الأنبياء ٣٣]

وجعل الله تعالى عدة الزمن وحساب المواقيت الشرعية من خلال حركة الشمس والقمر فبهما يتم التعرف على مواقيت الصلاة والصيام والحج والزكاة ومن خلالهما تحسب الأعمار الماضية وفي إطارها يتم التخطيط للمستقبل ومراجعة الماضي بكل ما له وعليه قال تعالى: ﴿ٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ بِحُسۡبَانࣲ﴾ [الرحمن 5] ﴿وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ حُسۡبَانࣰاۚ ذَ ٰلِكَ تَقۡدِیرُ ٱلۡعَزِیزِ ٱلۡعَلِیمِ[الأنعام ٩٦].

ومع أن كل من الشمس والقمر محلا للحساب كونًا وطبيعةً وخلقًا وهما من آيات الله تعالى  ولكن جعل الشارع حساب الوقت وتقدير الزمن من خلال الحساب القمري وذلك مما يدخل في الاختيار في الخلق ﴿وَرَبُّكَ یَخۡلُقُ مَا یَشَاۤءُ وَیَخۡتَارُۗ﴾ [القصص ٦٨] فجعل الله عدة الشهور اثني عشر شهرًا (قمرية) منها أربعة حرم – تعظم فيها الحرمات – وهي (رجب – ذو العقدة –  ذو الحجة – المحرم) قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثۡنَا عَشَرَ شَهۡرࣰا فِی كِتَـٰبِ ٱللَّهِ یَوۡمَ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ مِنۡهَاۤ أَرۡبَعَةٌ حُرُمࣱۚ﴾ [التوبة 36]

ويمر علينا هذه الأيام نهاية العام الهجري (1441) ومع نهايته ندخل عامًا هجريًا جديدًا ولابد للإنسان من وقفات مع نفسه ومسيرته الماضية وما فيها من أعمال صالحة يحمد الله عليها وما فيها من عمل غير صالح فيستغفر الله منه ثم يجدد النية والعزم على المضي نحو المستقبل وهو يقبل عليه بروح تواقة للحق والخير والجمال على  صعيد الذات والمجتمع والإنسانية قاطبة لتحقيق العمران والاستخلاف الإنساني وهو المقصود الأسمى من حركة الإنسان في الأرض ولن يتم على وجهه المطلوب إلا باتباع الرسالة والرسول .

 وسنة الاعتبار بالذات والآخر تجعل الإنسان يقف مع حقيقة الوجود الكوني والبشري وعملية التداول والتقلب فيه فكم حدثت من ظواهر كونية أثرت في الإنسان وحياته وصحته واستقراره وأظهرت ضعفه وعجزه وجهله مهما بلغ من علم أدى به للتطاول والاستكبار كما هو حال البشرية اليوم مع جائحة كورونا التي عطلت حركة الإنسان وغيرت أنماط حياته بل وتسببت في موت الكثيرين خلال هذه الفترة كل ذلك محل للعظة والاعتبار .

ومن خلال عملية التوقف للعظة والاعتبار مع عنصر الزمن الذي يشكل أهم عنصر في حياتنا نقف على حجم الفرص الضائعة والتي مضت ولن تعود مرة أخرى كما نقف على حجم  كمية الموارد التي كانت بأيدينا ثم فقدناها أو لم تكن واكتسبناها ولكن فرطنا فيها لعدم الاستفادة منها بالشكل المطلوب ومن خلال ذلك نتعرف على حجم الربح والخسارة في حياتنا ثم تصحيح المسار فيما بقي من الأعمار والأوقات .

وعملية الجرد التام والمحاسبة للنفس على مسيرتها هي من المقامات العظيمة للمكلف ولن يهتدي إليها إلا من وفقه الله تعالى والمحاسبة تعني الوقوف على النعم الإلهية غير المحدودة والتقصير البشري المصاحب لها وينتج عن ذلك الاستغفار والذي تقوم فلسفته على استحضار النعم والشعور بالتقصير تجاه المنعم حمدًا وشكرًا ولذا جاء في حديث سيد الاستغفار عن شداد بن أوس: سَيِّدُ الِاسْتِغْفارِ: (اللَّهُمَّ أنْتَ رَبِّي، لا إلَهَ إلّا أنْتَ، خَلَقْتَنِي وأنا عَبْدُكَ، وأنا على عَهْدِكَ ووَعْدِكَ ما اسْتَطَعْتُ، أبُوءُ لكَ بنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وأَبُوءُ لكَ بذَنْبِي فاغْفِرْ لِي، فإنَّه لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا أنْتَ، أعُوذُ بكَ مِن شَرِّ ما صَنَعْتُ. إذا قالَ حِينَ يُمْسِي فَماتَ دَخَلَ الجَنَّةَ – أوْ: كانَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ – وإذا قالَ حِينَ يُصْبِحُ فَماتَ مِن يَومِهِ مِثْلَهُ) [صحيح البخاري]

ومن الذكر المأمور به شرعًا مذاكرة الأيام والسنين وما فيها من انتهاض وانحطاط وبقاء وزوال وقوة وضعف وصحة ومرض وظهور وأفول وكفر وإيمان وطاعة ومعصية وعزة وذلة يتم كل ذلك من باب العبرة والعظة والاستفادة ومحاسبة النفس قال تعالى: (﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔایَـٰتِنَاۤ أَنۡ أَخۡرِجۡ قَوۡمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرۡهُم بِأَیَّىٰمِ ٱللَّهِۚ إِنَّ فِی ذَ ٰلِكَ لَـَٔایَـٰتࣲ لِّكُلِّ صَبَّارࣲ شَكُورࣲ[إبراهيم ٥] والصبر والشكر هو منتهى الكمال في مدارج التعبد ومقامات الرقي والسمو الإنساني. وخلاصة القول فلنجعل من نهاية العام محطة للمحاسبة والمراقبة والعظة والاعتبار والتوبة والاستغفار ومحلًا للتزود بالتقوى فهي خير الزاد للمسيرة القاصدة إلى الله تعالى في مشوار العودة إلى جنة الخلد وكما قيل: إن الناس في رحلة منذ أن خلقوا ولا تحط الرحال إلا في الجنة أو النار والمنتهى والرجعى والمصير كله إلى الله.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *