جريرة تسييس الفتوى

22 سبتمبر 2020 209

بقلم الدكتور/ حسن سلمان
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله الذي أرسله الله للناس كافة معلما وهاديا وسراجا منيرا ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم ومن كان وارثا لعلمه وهديه فلا بد من الاقتداء به في صدقه وزهده وإخلاصه ويتجنب الكذب والتعلق بالدنيا وحب الظهور والشهرة والرياء.
قال تعالى: (إنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ) [النحل 105]، فإذا كان الكذب مطلقا مذموما ومحرما فإن الكذب على الله في ذاته و أحكامه وتشريعه أعظم جرما وحرمة بل هو أعظم من الشرك بالله كما قال تعالى: (قُلۡ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّیَ ٱلۡفَوَ ٰ⁠حِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلۡإِثۡمَ وَٱلۡبَغۡیَ بِغَیۡرِ ٱلۡحَقِّ وَأَن تُشۡرِكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ یُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَـٰنࣰا وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ) [الأعراف 33] والآية رتبت خطورة المحرمات تصاعديا من الأصغر إلى الأكبر وهي كلها كبائر.
‏وأمر الفتوى من الأمور الدينية العظيمة لأنها تتعلق ببيان حكم الله في المسائل النازلة والتي يحتاجها المكلف وتزداد أهمية الفتوى كلما تجاوزت الفردية للشأن العام والجماعي وتزداد حساسية وخطورة عندما تكون الفتوى ذات طابع سياسي وذلك لتعقيدات المشهد والأمر السياسي ومدى استقلالية عالم الدين والمفتي عن السلطة السياسية في بلده أو أي بلد آخر يتحيز له لاعتبارات مختلفة وبالتالي الفتوى السياسية أشد خطورة من غيرها، وكل فتوى هي حالة إعمال عقلي وذهني للنظر في النص والواقع والوصول من خلال ذلك للموقف الشرعي المطلوب  وهذا يتطلب علما راسخا بالنصوص الشرعية المتعلقة بالمسألة المطروحة بجانب الواقع وتداخلاته ومتعلقاته فكلما تعمق العالم في الأمرين كانت فتواه أقرب للصواب وتحقيق المقصود الشرعي منها، وبالتالي الفتوى تحتاج لعلم شرعي وعلم بالواقع وتجرد من كافة أشكال الحظوظ والرغبات ليكون العالم معبرا عن الحكم الشرعي بعيدا عن القول على الله بلا علم وبعيدا عن محاولة شراء الدين بالدنيا والتي حرمها الله في كتابه وعلى لسان رسوله. تلك طبيعة الفتاوى الشرعية المعهودة وأما الفتاوى الشاذة فهي ليست ذات طابع واحد فهناك من الفتاوى ما يكون سبب شذوذه الجهل بالنص الشرعي ومقاصده وغالب ذلك يكون من غير الراسخين في علوم الشريعة ومنها ما يكون الخطأ فيها والشذوذ ناتج عن عدم  الإلمام بالواقع بكل أبعاده واقتحامه من غير أهل الاختصاص  أو سؤالهم والصدور في الفتوى بناء على ذلك وهذا كثير وقد يقع فيه حتى أهل العلم بالشريعة اذا قصروا في معرفة الواقع أو سؤال أهل الاختصاص كما أن هناك من يكون في فتاواه منطلقا من موقف رسمي لبلده وسلطتها السياسية سواء بحسن الظن فيما يقال له من السلطة أو التحيز لها لعوامل عديدة وقد يكون الشذوذ في الفتوى من أطراف ذات طبيعة وظيفية تستخدم فيها السلطات بعض ضعاف النفوس أو أصحاب الأغراض والخصومات، كل تلك العوامل يمكن أن تسبب الشذوذ في الفتاوى الشرعية والخروج بها لدوائر الفوضى في الإفتاء وتحويل الفتوى لأداة طيعة في يد السلطات وحينها تفقد الفتوى مضمونها وتفقد مؤسسات الفتوى مصداقيتها وربما كان ذلك فتنة لكثير من الناس ولنا في تاريخ الأديان عبرة.
فهل ينتبه أهل التصدر للفتاوى لخطورة تسييس الفتوى وجعلها خادمة للسلطة بدلا أن تكون كاشفة عن الحكم الشرعي ومبينة له، وكما أن التسييس يمكن ان يكون في خدمة السلطة كذلك يمكن أن يجاري أهواء خصومها وأهواء الجمهور دون وجه حق وبالتالي المطلوب هو القيام بالقسط والشهادة بالحق على الخلق جميعا، قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [المائدة 8]

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *