غاية التقوى في البناء القرآني – الحلقة الثانية

16 أبريل 2026 34

غاية التقوى في البناء القرآني 2/3

تحدثنا في الحلقة السابقة عن غاية التقوى وأهميتها في الغايات القرآنية ونتناول في هذه الحلقة دلالة التقوى في السياق اللغوي والقرآني حتى تتضح المعاني والدلالات لهذه الغاية العظيمة وصفات المتقين ومظاهرهم وثمرات التقوى في الدارين.

 التقوى لغة واصطلاحًا؟

أولًا: التقوى في اللغة:

من حيث الاشتقاق اللغوي، تجمع معاجم اللغة العربية على أنّ(التقوى) تفيد معاني الصّون والحفظ والوقاية والتحرز من الوقوع في المحظور. فإن مادة (و، ق، ى) تدل – كما قال ابن فارس – على: دفع شيءٍ عن شيء بغيره، والوقاية: ما يقي الإنسان ويحميه

فنحن نقول: الوقاية خيرٌ من العلاج، أي أن يجعل الإنسان بينه وبين ما يضره حاجزًا ومانعًا. فنقي أنفسنا من البرد باللباس، ومن الحر بوسائل الحماية المختلفة.

فالأصل اللغوي للتقوى هو: الحماية والوقاية والحفظ والصون والحذر، أي أن يجعل الإنسان بينه وبين ما يخشاه وقايةً تحميه.

ثانيًا: التقوى في الاصطلاح:

كثرت تعريفات السلف للتقوى، ومن أشهرها:

ما يُنسب إلى الإمام عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه بأنها: (الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل)

وتعريف طلق بن حبيب – وهو من أجمع التعريفات – لما سئل عن التقوى فقال:

(أن تعمل بطاعة الله على نورٍ من الله، ترجو رحمة الله، وأن تترك معصية الله على نورٍ من الله، تخاف عذاب الله)

وقد أثنى الذهبي على هذا التعريف فقال: أبدع وأوجز، فلا تقوى إلا بعمل، ولا عمل إلا بعلم واتباع، ولا ينفع ذلك إلا بالإخلاص.

ويُستفاد من هذا التعريف أن التقوى تقوم على ثلاثة عناصر:

1/ الفعل والترك (القيام بالطاعة واجتناب المعصية)

2/ والبصيرة (على نور من الله)

3/ النية القلبية (رجاء الثواب وخوف العقاب)

فليس المطلوب مجرد ترك المعصية، بل لا بد أن يكون تركًا عن علمٍ وبصيرة، وأن يقترن برجاء رحمة الله أو خوف عذابه.

وذهب الجرجاني في تعريفاته بأن التقوى عند أهل الحقيقة تطلق ويراد بها الاحتراز بطاعة الله عن عقوبته، وهو صيانة النفس عمّا تستحق به العقوبة من فعل أو ترك، ويرى أنها تختلف بين الطاعة والمعصية فالتقوى في الطاعة تعني الإخلاص وفي المعصية الترك والحذر.

ويبدو أن المعنى الاصطلاحي للتقوى يرتبط بالمعنى اللغوي لها والتي تفيد الاتقاء والحذر والحماية مما يسخط الله تعالى ويعرض الإنسان للعقوبة.

دلالة التقوى في القرآن الكريم:

وعند العودة إلى القرآن الكريم لتحرير المفهوم، نجد أن التقوى تقابل العدوان

قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ المائدة: 2

فجعل: البر والتقوى، في مقابل: الإثم والعدوان فالبر يقابل الإثم، والتقوى تقابل العدوان.

وهذا يدل على أن ترك العدوان مفهومٌ محوري في التقوى؛ فالمعتدي – أيًا كان نوع عدوانه – ليس بتقي.

والعدوان يشمل:

العدوان على حقوق الله (كالشرك والكفر وترك الفرائض واقتحام المحرمات)

العدوان على النفس (بإهلاكها أو إفسادها)

العدوان على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم وأمنهم

العدوان على المجتمع بإفساد نظامه وعمرانه.

فالتقوى إذن هي: عبادة الله تعالى والوقوف عند حدوده، ورعاية الحقوق، وكفّ العدوان

ولهذا يمكن تعريف التقوى بأنها:

(رعاية الحقوق، والتزام الحدود، وكفّ الأذى والعدوان، رغبةً في الثواب، ورهبةً من العقاب، عن علمٍ وإخلاص).

مركزية التقوى في القرآن:

وردت مادة التقوى ومشتقاتها في القرآن قرابة (239) مرة، وكلها تدور حول هذا المعنى

الالتزام بحدود الله وعدم تعديها أي حفظ الشيء وعدم العدوان عليه، قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ البقرة/229

فالقيام بالحقوق، وترك تجاوز الحدود، هو المعيار الذي يحدد مدى تحقق التقوى في الإنسان.

وهذا السرد المتنوع بأساليب وصيغ مختلفة تعطي القارئ لكتاب الله تعالى مفهومًا مركزية ومقصدًا وغايةً نبيلة تسعى الشريعة لحفظها ورعايتها والسعي لتحقيقها.

صفات ومظاهر المتقين:

إذا كانت التقوى بهذا المعنى العام والشامل، فإن لها صفاتٍ أساسية يمكن تلخيصها في ثلاثة محاور كبرى:

أولًا: الصفة الاعتقادية – الإيمان بالغيب -:

أول صفة لأهل التقوى هي الإيمان بالغيب قال تعالى: ﴿الم * ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ البقرة: 1– 3، فجعل أول وصف للمتقين: الإيمان بالغيب ويدخل في ذلك:

الإيمان بالله، والملائكة، واليوم الآخر، والجنة والنار، والحساب والجزاء والموازين.

وقد أفرد الله الإيمان بالآخرة بالذكر فقال: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ البقرة:4، مع أنها داخلة في الغيب، وذلك لأهميتها، فمن لم يستحضر رقابة الله تعالى، ويؤمن بالجزاء، ويوقن بالآخرة، يصعب عليه أن يبلغ حقيقة التقوى؛ لأن الدافع الغيبي هو المحرك العميق للسلوك وهو البعد الجواني للتقوى.

ولهذا ربط القرآن بين التقوى وهذه المعاني كثيرًا قال تعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ البقرة :281، ﴿واتَّقُوا النَّارَ﴾ آل عمران:131، فهذه دوافع إيمانية تغذي سلوك التقوى ومظاهرها وتجلياتها.

ثانيًا: الصفة العملية – القيام بالواجبات:

التقوى ليست مجرد شعور قلبي، بل هي فعل وترك وأجمع آية في بيان الصفات العملية للمتقين قوله تعالى: ﴿ لَّیۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِ وَٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ وَٱلۡكِتَـٰبِ وَٱلنَّبِیِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡیَتَـٰمَىٰ وَٱلۡمَسَـٰكِینَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِیلِ وَٱلسَّاۤىِٕلِینَ وَفِی ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَـٰهَدُوا۟ۖ وَٱلصَّـٰبِرِینَ فِی ٱلۡبَأۡسَاۤءِ وَٱلضَّرَّاۤءِ وَحِینَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ ٱلَّذِینَ صَدَقُوا۟ۖ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ﴾ البقرة:177، فهذه الآية جمعت::

أصول الإيمان، والإنفاق، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والوفاء بالعهد، والصبر ….إلخ وكانت خاتمة الآية قولع تعالى: ﴿وأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ فمن ترك الواجبات فقد اعتدى على حدود الله، وهذا ينافي التقوى.

ثالثًا: ترك المحرمات:

كما أن أعظم آيات الترك والاجتناب ما ورد في الوصايا في سورة الأنعام

﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۖ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾الأنعام:151/153 ، وقد تضمن هذه الآيات العديد من المحرمات التي يجب اجتنابها وتركها وهي:

النهي عن الشرك، وعقوق الوالدين، وقتل الأولاد، وقتل النفس، والفواحش، وأكل أموال اليتامى، والغش والتطفيف في الكيل والميزان، والظلم في القول وشهادة الزور، ونقض العهود ثم ختمت الآيات بقوله: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ… ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ فهذه الأوامر والنواهي تشكل أصول الصراط المستقيم، ولا يجوز أخذ بعضها وترك بعضها؛ لأنها منظومة واحدة، وكل معصية من هذه تمثل سبيلًا من سبل الشيطان، أما مجموعها فهو صراط الله المستقيم.

ومما سبق يتبين أن التقوى تقوم على صفات أساسية تتمثل في:

إيمانٍ بالغيب يملأ القلب مراقبةً وخشية، قيامٍ بالواجبات ورعايةٍ للحقوق، اجتنابٍ للعدوان ووقوفٍ عند حدود الله، ونيةٍ صادقة ترجو ثواب الله وتخشى عقابه.

فالتقوى هي منظومة إيمانية وسلوكية متكاملة، تضبط علاقة الإنسان بربه، وبنفسه، وبالمجتمع وبالدولة بل وبالطبيعة من حوله.

ومن تحقق بهذه المعاني كان داخلًا في قوله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾

مقامات التقوى:

التقوى ليست درجة واحدة، بل هي مقامات متنوعة ومستويات متصاعدة

وقد ذكر ابن جزي رحمه الله في تفسيره أن درجات التقوى خمس، فقال:

أن يتقي العبد الكفر، وذلك مقام الإسلام، وأن يتقي المعاصي والحرمات، وهو مقام التوبة، وأن يتقي الشبهات، وهو مقام الورع، وأن يتقي المباحات، وهو مقام الزهد، وأن يتقي حضور غير الله على قلبه، وهو مقام المشاهدة، وهذه مراتب دقيقة بديعة، ومن الممكن جمعها في ثلاثة مستويات كبرى؛ لتكون منسجمة مع حديث جبريل عليه السلام حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن: الإسلام، والإيمان، والإحسان وعليه تتوزع على ثلاثة مقامات:

تقوى الإسلام، تقوى الإيمان، تقوى الإحسان.

أولًا: تقوى الإسلام:

وهي أن يخرج الإنسان من دائرة الكفر إلى دائرة الإسلام، فيتقي الكفر، وهذا أعظم ما يُخرج الإنسان عن التقوى ويحجبه عن ثمراتها.

قال تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا﴾ مريم:63

وأول مراتب هذا الاتقاء هو تحقيق الإسلام، أي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقامة أركان الإسلام التي يثبت بها وصف الإسلام، فالحد الأدنى لدخول الجنة أن يكون الإنسان مسلمًا؛ إذ لا يدخل الجنة إلا مسلم، وإن عوقب أو طُهّر قبل ذلك بالعذاب في النار.

قال تعالى: ﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ البقرة/112

إذن: تقوى الإسلام هي ترك الكفر وتحقيق أصل الإسلام وهي الحد الأدنى من التقوى.

ثانيًا: تقوى الإيمان:

وهي المقام الأوسط، وتقوم على ترك المحرمات، وخاصة الكبائر، واجتناب المنهيات، وأداء الواجبات المفروضة، وهذا المقام هو مقام “المقتصد” في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوۡرَثۡنَا ٱلۡكِتَـٰبَ ٱلَّذِینَ ٱصۡطَفَیۡنَا مِنۡ عِبَادِنَاۖ فَمِنۡهُمۡ ظَالِمࣱ لِّنَفۡسِهِۦ وَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدࣱ وَمِنۡهُمۡ سَابِقُۢ بِٱلۡخَیۡرَ ٰ⁠تِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ ذَ ٰ⁠لِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِیرُ﴾ فاطر:32

فالوارثون للكتاب وميراث النبوة ثلاثة أنواع:

ظالم لنفسه (أدنى المراتب)، مقتصد، سابق بالخيرات.

وتقوى الإيمان هي مقام المقتصد؛ يؤدي الفرائض، ويجتنب الكبائر، لكنه قد لا يكثر من النوافل وفضائل الأعمال، وقد لا يتورع عن الشبهات ولا يزهد في المباحات.

فإن ترك الواجبات أو وقع في الكبائر نقص من تقواه، وإن استقام على الفرائض واجتنب الكبائر والمحرمات والمنهيات فقد حقق تقوى الإيمان.

ثالثًا: تقوى الإحسان:

وهذا مقام عظيم، وهو مقام المقربين والسابقين بالخيرات، ويمكن أن نجمع فيه ما ذكره ابن جزي من:

اتقاء الشبهات (الورع)، واتقاء المباحات (الزهد)، واتقاء حضور غير الله في القلب (المشاهدة).

 

 

ويتجلى ذلك في تعريف النبي صلى الله عليه وسلم للإحسان بقوله:

“أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك”

فمقام الإحسان هو:

مقام المراقبة والمشاهدة، مقام الصفاء القلبي، مقام الورع عن الشبهات، والزهد في المباحات عند خشية الانشغال عمّا هو أولى ديانة، والإكثار من النوافل حتى يبلغ العبد مقام المحبة الوارد في الحديث القدسي:

. “وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه…”

فهذا مقام المحبة الإلهية، ولا يُنال إلا بكمال الإحسان وقد دلت بعض الآيات على هذه المقامات الثلاثة كما في قوله تعالى:

﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ المائدة:93

والآية ليس فيها تكرار، بل تشير إلى ترقٍّ في المقامات:

اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات (مقام الإسلام)

ثم اتقوا وآمنوا (مقام الإيمان)

ثم اتقوا وأحسنوا (مقام الإحسان)

قال العلامة ابن عاشور:( والتَّقْوى امْتِثالُ المَأْمُوراتِ واجْتِنابُ المَنهِيّاتِ، ولِذَلِكَ فَعَطْفُ وعَمِلُوا الصّالِحاتِ عَلى اتَّقَوْا مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، لِلِاهْتِمامِ بِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكائِلَ﴾ [البقرة: ٩٨]، ولِأنَّ اجْتِنابَ المَنهِيّاتِ أسْبَقُ تَبادُرًا إلى الأفْهامِ في لَفْظِ التَّقْوى لِأنَّها مُشْتَقَّةٌ مِنَ التَّوَقِّي والكَفِّ.

وأمّا عَطْفُ وآمَنُوا عَلى اتَّقَوْا فَهو اعْتِراضٌ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الإيمانَ هو أصْلُ التَّقْوى، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ أوْ إطْعامٌ﴾ [البلد: ١٣] إلى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] . والمَقْصُودُ مِن هَذا الظَّرْفِ الَّذِي هو كالشَّرْطِ مُجَرَّدُ التَّنْوِيهِ بِالتَّقْوى والإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، ولَيْسَ المَقْصُودُ أنَّ نَفْيَ الجُناحِ عَنْهم مُقَيَّدٌ بِأنْ يَتَّقُوا ويُؤْمِنُوا ويَعْمَلُوا الصّالِحاتِ، لِلْعِلْمِ بِأنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ أثَرًا عَلى فِعْلِهِ أوْ عَلى تَرْكِهِ، وإذْ قَدْ كانُوا مُؤْمِنِينَ مِن قَبْلُ، وكانَ الإيمانُ عَقْدًا عَقْلِيًّا لا يَقْبَلُ التَّجَدُّدَ تَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ وآمَنُوا مَعْنى ودامُوا عَلى الإيمانِ ولَمْ يُنْقِضُوهُ بِالكُفْرِ.

وجُمْلَةُ ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وآمَنُوا﴾ تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ لِجُمْلَةِ ﴿إذا ما اتَّقَوْا وآمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ وقُرِنَ بِحَرْفِ (ثُمَّ) الدّالِّ عَلى التَّراخِي الرُّتْبِيِّ لِيَكُونَ إيماءً إلى الِازْدِيادِ في التَّقْوى وآثارِ الإيمانِ، كالتَّأْكِيدِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَلّا سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبإ: ٤] ولِذَلِكَ لَمْ يُكَرِّرْ قَوْلَهُ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ لِأنَّ عَمَلَ الصّالِحاتِ مَشْمُولٌ لِلتَّقْوى.

وأمّا جُمْلَةُ ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا﴾ فَتُفِيدُ تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا لِجُمْلَةِ ثُمَّ اتَّقَوْا. وتُفِيدُ الِارْتِقاءَ في التَّقْوى بِدَلالَةِ حَرْفِ (ثُمَّ) عَلى التَّراخِي الرُّتْبِيِّ. مَعَ زِيادَةِ صِفَةِ الإحْسانِ. وقَدْ فَسَّرَ النَّبِيءُ ﷺ الإحْسانَ بِقَوْلِهِ «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» . وهَذا يَتَضَمَّنُ الإيمانَ لا مَحالَةَ فَلِذَلِكَ اسْتُغْنِيَ عَنْ إعادَةِ وآمَنُوا هُنا. ويَشْمَلُ فِعْلُ وأحْسَنُوا الإحْسانَ إلى المُسْلِمِينَ، وهو زائِدٌ عَلى التَّقْوى، لِأنَّ مِنهُ إحْسانًا غَيْرَ واجِبٍ وهو مِمّا يَجْلِبُ مَرْضاةَ اللَّهِ، ولِذَلِكَ ذَيَّلَهُ بِقَوْلِهِ ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾.

وذكر السمعاني في تفسيره للآية أقوال 🙁 أحدها: أن معنى الأول: إذا ما اتقوا الشرك وآمنوا، أي: صدقوا، وعملوا الصالحات (ثم اتقوا) أي: داموا على ذلك التقوى (وآمنوا) أي ازدادوا إيمانا (ثم اتقوا وأحسنوا) أي: اتقوا بالإحسان في كل محسن، وكل مطيع متق. والقول الثاني: أن التقوى الأول: اجتناب الشرك، والتقوى الثاني: اجتناب الكبائر والتقوى الثالث: اجتناب الصغائر، وهذان قولان معروفان في الآية)

فهي تدل على الارتقاء في مقامات التقوى من تقوى الإسلام، إلى تقوى الإيمان، ثم تقوى الإحسان والله أعلم.

التقوى والإحسان علاقة الحد الأدنى بالكمال:

التقوى والإحسان مقامات متلازمة، إلا أن بينهما تفاوتًا في الدرجة؛ فتقوى الإسلام والإيمان  تمثل الأساس الذي يقوم عليه البناء، بينما الإحسان هو الكمال الذي يعلو به هذا البناء

فالتقوى هي: أن يجعل العبد بينه وبين عذاب الله وقاية، وذلك بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، فهي تمثل الحد الأدنى الواجب الذي لا بد منه لكل مؤمن.

أما الإحسان فهو: الارتقاء فوق هذا الحد، ببذل الخير، وتحقيق معاني المراقبة الكاملة لله، حتى كأن العبد يراه، فإن لم يكن يراه فإنه يعلم أن الله يراه.

ويتضح هذا الفرق جليًا في التعامل مع الخلق؛ فـتقواك مع جارك أن تكف عنه الأذى، فلا تؤذيه بقول ولا فعل، وهذا واجب لا يسع المسلم تركه.

أما إحسانك إليه فهو أن تبذل له المعروف، وتقضي حاجته، وتحسن إليه قولًا وفعلًا، وهذا فضل وزيادة.

فكفّ الأذى يمثل الحد الأدنى (التقوى)، بينما البذل والبر يمثلان الكمال (الإحسان)

ولهذا جمع الله بين المقامين في قوله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ النحل: 128، فدلّ ذلك على أن التقوى أساس المعية الخاصة، وأن الإحسان يرفع صاحبَه إلى أعلى درجات القرب.

وخلاصة الأمر: فإن التقوى بداية الطريق، والإحسان نهايته؛ فمن حقق التقوى سلم، ومن ارتقى إلى الإحسان فاز بالكمال والفضل العظيم.

والتتمة في الحلقة القادمة

 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *