مقدمة:
الحمد لله الخالق الحق المبين الذي تهوي إليه أفئدة الخلق تضرعاً ودعاءً وحمداً وثناءً وذكراً وشكراً يمنح ويمنع بعلمه وعدله وحكمته وفي كل ذلك هو صاحب الفضل والمنة الأعلم بما يصلح عباده في دنياهم وآخرتهم فله الحمد في الأولى والآخرة والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين والهادي إلى الصراط المستقيم القدوة الحسنة والأسوة المستعصمة الذي عبد الله وتضرع إليه حتى تورمت قدماه وهو المغفور له ما تقدم من الذنب وما تأخر فكان بذلك العبد الشكور المستكمل لكافة مقامات السير إلى الله تعالى محبة وخلة حتى استحق ثناء الله عليه بقوله تعالى:(وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِیمࣲ) القلم/٤، فصلاة ربي وسلامه عليه وعلى آله وصبحه ومن ولاه إلى يوم الدين.
التضرع إلى الله غاية سامية ومقام عبادة عظيم:
التضرع إلى الله تعالى هو من المقامات الجليلة التي يسعى القرآن الكريم إلى ترسيخها في نفوس المؤمنين، وهو غاية سامية ترتبط بتسليم القلب لله عز وجل، والتعبير عن الافتقار إليه، وإظهار الذل والمسكنة والخضوع أمام عظمته والتضرع يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالدعاء والذكر فهو جوهره ولبُّه وروحه وقد وردت المفردة في سياقات قرآنية عديدة تؤكد هذا المعنى وأنها من الغايات القرآنية المرادة للشارع الحكيم لقوله تعال:(مَاۤ أَرۡسَلۡنَا فِی قَرۡیَةࣲ مِّن نَّبِیٍّ إِلَّاۤ أَخَذۡنَاۤ أَهۡلَهَا بِٱلۡبَأۡسَاۤءِ وَٱلضَّرَّاۤءِ لَعَلَّهُمۡ یَضَّرَّعُونَ) الأعراف/٩٤، كما يأتي التضرع مقترناً بمواقف وأحداث تستدعي اللجوء والعودة الصادقة إلى الله تعالى:( فَلَوْلَا إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ) الأنعام/43، ويأتي تارة التضرع وصفاً للهيئة المطلوبة في الدعاء كما في قوله تعالى:( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً) الأعراف/ 55، وبالتالي فالتضرع عبادة قلبية فيها المحبة والفقر والانكسار والحاجة والمسكنة ، وتعد من أهم مظاهر التسليم لله عز وجل، فلا يتحقق مقام التسليم والعبودية الكاملة إلا بالتذلل لله تعالى ، والإلحاح عليه بالطلب، والثقة المطلقة في قدرته ورحمته وعطائه وفضله.
وكما أن التضرع مرتبط بالدعاء والمسألة فكذلك مرتبط بالذكر كما في قوله تعالى:
(وَٱذۡكُر رَّبَّكَ فِی نَفۡسِكَ تَضَرُّعࣰا وَخِیفَةࣰ وَدُونَ ٱلۡجَهۡرِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡـَٔاصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡغَـٰفِلِینَ) الأعراف/205، وهنا نلاحظ بأن الذكر المقرون بالتضرع هو ذكر قلبي لا لساني فحسب والذكر القلبي يكون صاحبه عارفاً بمعاني الأذكار التي يقولها بلسانه مستحضراً لصفات الكمال والعزِّ والعلوِّ والجلال والعظمة وهذا مقام يستحضر فيه العبد نعم الله وآلائه وعند انكشاف هذا المقام في القلب يقوى الرجاء فناسب ذلك ربط التضرع بالخوف (الخيفة) ليتحقق التوازن بين الخوف والرجاء في مسيرة العبد القاصد إلى الله تعالى وقد تضمنت الآية جملة من الأحكام المتعلقة بالذكر وهي ما يلي:
1/ أن يكون الذكر في نفسه فهو أٌقرب للإخلاص وأبعد من الرياء وأدعى للإجابة وهذا في قوله (واذكر ربك في نفسك).
2/ أن يكون على سبيل التضرع وهو الخضوع والتذلل والافتقار ليتحقق فيه ذلة العبودية لعزة الربوبية لقوله تعالى(تضرعاً).
3/ أن يكون على وجه الخيفة والخشية من سلطان الربوبية وعظمة الألوهية وذلك خوف المؤاخذة على التقصير في العمل وذلك في قوله تعالى(وخيفة).
4/ أن يكون دون الجهر من القول بل يتسم بالخفية لقوله تعالى (ودون الجهر من القول) فهو أدعى لحسن التفكر والإخلاص.
5/ أن يكون على وجه المداومة والاستمرار والاستحضار القلبي بعيداً عن الغفلة والنسيان لقوله تعالى (بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين) محاسن التأويل للقاسمي/ ج- 5، ص، 247
وإذا كان التضرع بهذا المقام العظيم وأنه مقصد شرعي من مقاصد التعبد فما هو مفهومه في اللغة والاصطلاح.
التضرع لغة وشرعاً:
التضرع لغة:
مأخوذ من الضراعة، وهي: الخضوع، والذل، والافتقار.
قال ابن فارس:(الضاد والراء والعين أصل صحيح يدل على لين في الشيء من ذلك ضرع الرجل ضراعة إذا ذلَّ) معجم مقاييس اللغة، ج3/ص-395، وفي تاج العروس للزبيدي: ضرع: استكان وهو قريب من الخضوع والذلِّ) ج/21- ص، 407، وقال الراغب الأصفهاني:(التضرع هو التذلل والتخشع في الطلب والدعاء) المفردات في غريب القرآن، ص303.
التضرع اصطلاحاً:
هو التذلل والانكسار والابتهال بين يدي الله تعالى، مع الإلحاح في الدعاء وصدق الافتقار”، قال القرطبي في تفسير قوله تعالى ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾:
(أي تواضعوا لله، واستكانوا وتذللوا له، ورجعوا إليه بالتوبة والدعاء) الجامع لأحكام القرآن، ج7/ص204.
ونلاحظ بأنه لا يختلف التضرع في اللغة عنه في الاصطلاح إلا في كون التضرع شرعاً متعلق بالله تعالى مرتبط بالدعاء والذكر فهو: التذلل والخضوع الصادق لله تعالى، مع الدعاء والاستكانة، خاصة في أوقات البلاء والشدة خلافاً لمطلق الخضوع والذل والافتقار الوارد في اللغة. وحقيقته وجوهره الخشوع القلبي.
ويُعد من أعظم أبواب القرب إلى الله تعالى، وقد مدحه القرآن وذمّ من أعرض عنه.
أهمية التضرع:
للتضرع أهمية بالغة لأنه تعبير حقيقي عن التعبد والتذلل والافتقار والاعتراف بالخالق وقدرته وعلمه وحكمته ومحبته وتعظيمه والخضوع له ونجمل أهمية التضرع في النقاط التالية:
1/جوهر العبادة ومفتاح القرب من الله تعالى:
التضرع هو ذروة الدعاء والتعبد، إذ يمتزج فيه الافتقار والذلة مع الإلحاح والتخفي مع الخوف كما تقدم، حيث يظهر العبد عجزه وحاجته إلى الله تعالى خاشعاً متواضعاً مفتقراً قال تعالى:( وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَاۤ إِلَىٰۤ أُمَمࣲ مِّن قَبۡلِكَ فَأَخَذۡنَـٰهُم بِٱلۡبَأۡسَاۤءِ وَٱلضَّرَّاۤءِ لَعَلَّهُمۡ یَتَضَرَّعُونَ) الأنعام/٤٢، ويكون بذلك قد جمع المحبة والقصد والدعاء والطاعة وهي جوهر وحقيقة التعبد لله تعالى والاقتراب المفضي للشهود الشرعي المتجاوز للحقائق الكونية الظاهرة، وذلك أن الإسلام في حقيقته هو الاستسلام لله تعالى بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والخلوص من الشرك وليس الوقوف عند حقائق الربوبية والخالقية التي يعترف بها كثير من البشر دون أن ينالوا مسمى الإسلام والإيمان المنجى عند الله تعالى.
2/ وسيلة لرفع البلاء والنجاة من عذاب الله:
التضرع إلى الله يُعدّ سببًا لدفع المصائب ورفع البلاء يقول تعالى:(فلولا إذ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا) الأنعام/43، مشيراً إلى أن التضرع هو السبيل لتخفيف العذاب أو منعه واستجلاب رحمة الله تعالى، والتضرع ليس مجرد وسيلة للاستعانة بالله وقت الشدة، بل هو أسلوب حياة يقي من الوقوع في غضب الله وعذابه قال تعالى:( وَلَقَدۡ أَخَذۡنَـٰهُم بِٱلۡعَذَابِ فَمَا ٱسۡتَكَانُوا۟ لِرَبِّهِمۡ وَمَا یَتَضَرَّعُونَ) المؤمنون/76
قال النبي ﷺ في حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة حكاية عنهم:
“اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرّج عنا ما نحن فيه…” [رواه البخاري، فكان الدعاء والتضرع سبباً للنجاة وكشف الكرب الذي كانوا فيه.
: تحقيق الافتقار الحقيقي لله 3/
التضرع هو اعتراف عملي بحقيقة الإنسان ككائن ضعيف لا حول له ولا قوة إلا بالله مفتقر لربه الخالق الوهاب الغني الحميد يقول تعالى: (یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَاۤءُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡغَنِیُّ ٱلۡحَمِیدُ) فاطر/ ١٥، وبهذا الاعتراف، يفتح العبد باب الرحمة الإلهية التي تمدّه بالقوة والصبر والثقة. قال صاحب أضواء البيان العلامة الشنقيطي في هذه الآية ما يلي:( بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ خَلْقِهِ، وأنَّ خَلْقَهُ مُفْتَقِرٌ إلَيْهِ، أيْ: فَهو يَأْمُرُهم ويَنْهاهم لا لِيَنْتَفِعَ بِطاعَتِهِمْ، ولا لِيَدْفَعَ الضُّرَّ بِمَعْصِيَتِهِمْ، بَلِ النَّفْعُ في ذَلِكَ كُلِّهِ لَهم، وهو جَلَّ وعَلا الغَنِيُّ لِذاتِهِ الغِنى المُطْلَقَ. وَما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مَعَ كَوْنِهِ مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، جاءَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ) ، ويصف شيخ الإسلام لذة التضرع بالدعاء عند وقوع الابتلاء: (فمن تمام نعمة الله على عباده المؤمنين أن ينزل بهم الشدة والضر وما يلجئهم إلى توحيده فيدعونه مخلصين له الدين ويرجونه لا يرجون أحدا سواه وتتعلق قلوبهم به لا بغيره فيحصل لهم من التوكل عليه والإنابة إليه وحلاوة الإيمان وذوق طعمه والبراءة من الشرك ما هو أعظم نعمة عليهم من زوال المرض والخوف أو حصول اليسر فإن ذلك لذات بدنية ونعم دنيوية قد يحصل للكافر منها أعظم مما يحصل للمؤمن. وأما ما يحصل لأهل التوحيد المخلصين لله الدين فأعظم من أن يعبر عن كنهه مقال أو يستحضر تفصيله بال ولكل مؤمن من ذلك نصيب بقدر إيمانه.. وقال بعض الشيوخ: إنه ليكون لي إلى الله حاجة فأدعوه فيفتح لي من لذيذ معرفته وحلاوة مناجاته ما لا أحب معه أن يعجل قضاء حاجتي خشية أن تنصرف نفسي عن ذلك؛ لأن النفس لا تريد إلا حظها فإذا قضي انصرفت. وفي بعض الإسرائيليات يا ابن آدم البلاء يجمع بيني وبينك والعافية تجمع بينك وبين نفسك) الفتاوى: ج/10-ص-310.
4/ علامة الإيمان والخشوع:
إن التضرع من علامات الإيمان والخشوع وقد جعله الله وصفاً لازماً للأنبياء والرسل قال تعالى:(وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (الأنبياء: 90.
وتبرز أهمية التضرع من كونه مرتبط بالدعاء الذي هو العبادة كما ثبت ذلك بالنصوص الصحيحة من الكتاب والسنة وبصورة أدق فهو جوهره ولبابه ويرتبط بالقلب والجوارح.
مواضع التضرع:
إن التضرع عبادة قلبية ولسانية لا تُقيّد بزمن ولا تُحصر في مكان، بل هو حال دائم للعبد الصادق في علاقته بربه، يتقلب معه في جميع أحواله. وقد دلّت النصوص الشرعية وأفعال الأنبياء والصالحين على أن التضرع يقع في مواضع كثيرة، منها:
- أثناء الصلوات المفروضة والنوافل:
لا سيما في موضع السجود، حيث قال النبي ﷺ:(أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء) رواه مسلم.
فالسجود مظنة التذلل والخضوع، وهو محلّ مبارك للتضرع الصادق. - في لحظات الاستسقاء وطلب الغيث:
حين تتأخر الأمطار ويشتد الجدب، يكون التضرع الجماعي سببًا في إنزال الرحمة، كما قال تعالى:﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِدْرَارًا﴾ نوح: 10–11. - عند نزول المصائب والشدائد:
التضرع في وقت الكرب هو مظهر افتقار العبد إلى ربه، قال تعالى:
﴿فَلَوْلَآ إِذۡ جَآءَهُم بَأۡسُنَا تَضَرَّعُواْ﴾ الأنعام: 43، أي: هلّا تذللوا وتابوا عند نزول البلاء، لكنهم قست قلوبهم. - في ساحات الجهاد والمواقف المصيرية:
كما فعل النبي ﷺ في غزوة بدر، حيث رفع يديه إلى السماء متضرعًا، وقال:(اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد في الأرض…) حتى سقط رداؤه من شدة تضرعه، فأخذ أبو بكر رضي الله عنه يردّه عليه ويقول: حسبك يا رسول الله، فإن الله منجزٌ لك ما وعدك) رواه مسلم، فكان هذا التضرع سببًا في النصر، ونزول الملائكة تأييدًا للمؤمنين. - في جوف الليل والأسحار:
حيث ينزل ربنا إلى السماء الدنيا وينادي عباده، كما في الحديث:(ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟” رواه البخاري ومسلم. وهو وقت مبارك لا ينافسه وقت في عمق الأنس والانكسار. - عند الوقوف بعرفات وأداء المناسك:
حيث يكون التضرع شعار الحجيج، قال ﷺ:(خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له…” رواه الترمذي.
بهذه المواطن المتنوعة، يتضح أن التضرع عبادة مستمرة، ينبغي أن يُعوّد العبد نفسه عليها في سائر أحواله، ليبقى قلبه حيًّا موصولًا بالله.
آداب التضرع:
إن التضرع إلى الله تعالى من أعظم أبواب العبودية، ولا تكتمل حقيقته إلا بالتحقق بآداب ظاهرة وباطنة، تجعل الدعاء أقرب إلى القبول، وتربط القلب بالله برباط الخضوع والانكسار، وهذه الآداب ليست شكليات أو مظاهر سطحية، بل هي تعبير عن صدق التوجه إلى الله، وخلاصة التجرد من الحول والقوة.
أولًا: مشهد الذل والانكسار الكامل:
من أعظم آداب التضرع تحقيق الانكسار القلبي بين يدي الله تعالى، وهو جوهر التضرع وروحه كما سبق، أي أن يقف العبد بين يدي مولاه وقد ألقى بين يديه سلاح العبودية: الذل، والافتقار، والانطراح، وقد امتلأ قلبه يقينًا بأنه لا مفر له من الله إلا إليه. قال تعالى:
﴿ٱدۡعُواْ رَبَّكُمۡ تَضَرُّعٗا وَخُفۡیَةًۚ إِنَّهُۥ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِینَ﴾ الأعراف: 55.
وقد وصف ابن القيم رحمه الله التضرع الصادق بأنه: (سجود القلب، وذل الجوارح، وتفتت النفس من هيبة الله (مدارج السالكين).
فمن رفع يديه ولسانه يدعو، وقلبه غافل أو لاهٍ، فقد أخطأ جوهر الدعاء، إذ قال النبي ﷺ:
(ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً من قلب غافل لاهٍ) رواه الترمذي.
ثانيًا: اليقين في الإجابة:
من أعظم آداب الدعاء أن يدعو العبد وهو موقن بأن الله سيجيبه، ولو بعد حين. قال رسول الله ﷺ:(ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة) رواه الترمذي.
فاليقين لا يعني التحديد الزمني للإجابة، بل هو ثقة في وعد الله، وتسليم لحكمته.
ثالثًا: سجود القلب قبل الجسد:
ليست الغاية من التضرع رفع اليدين أو التماسك الظاهري، بل أن يسجد القلب بين يدي الله، فيعيش لحظة صدق روحي، يكون فيها العبد أقرب إلى ربه من كل وقت قال ﷺ:(إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) رواه مسلم.
وهذه السجدة القلبية لا تراها العيون، ولكنها تُرى في آثار الذل، وصوت الرجاء، وحالة الخضوع التي يفيض بها وجه المتضرع.
رابعًا: الصبر وعدم الاستعجال في الإجابة:
التعجل في الدعاء من موانع الاستجابة، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك، فقال:
(يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي) متفق عليه.
فالصبر على الدعاء علامة صدق العبودية، وترك الدعاء علامة استعجال وضعف يقين.
ولذا فإن التضرع الحق لا يتحقق إلا حينما يجتمع صدق القلب، وافتقار النفس، ويقين الإجابة، وصبر النفس على البلاء،وكلما زاد العبد تحققًا بهذه الآداب، زاد قربًا من الله، ووجد لذة المناجاة، وثمرة الاستجابة، ولو تأخرت في نظره.
ثمرات التضرع:
للتضرع ثمرا ت عديدة في حياة المسلم وبعد مماته نجملها فيما يلي:
1/ طريق إلى الرحمة والمغفرة:
حاجة الإنسان إلى مغفرة الله ورحمته من أعظم الحاجات بل هي من الضرورات الكبرى في الوجود لأن الحياة الأبدية مرتبطة بها وهي مرتبطة بالدعاء والتضرع والعبادة والافتقار إلى الله تعالى وقد جاء في التنزيل (قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ) الفرقان: 77، أي: لا يبالي ولا يعبأ بغير هؤلاء وأنه لولا دعاؤكم إياه دعاء العبادة ودعاء المسألة ما عبأ بكم ولا أحبكم) انظر تفسير السعدي، فالدعاء هو سبب الرحمة والقبول عند الله تعالى، وهو ما يرفع قدر العبد ويُدنيه من ربه.
2/ استجابة الدعاء والقبول:
يُعدّ التضرع من الأسباب المعجّلة لاستجابة الدعاء، وقد ذكر القرآن الكريم نماذج عديدة من الرسل والأنبياء والصالحين الذين تضرعوا إلى الله تعالى فاستجاب لهم، كما في قوله تعالى:(وَزَكَرِیَّاۤ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥ رَبِّ لَا تَذَرۡنِی فَرۡدࣰا وَأَنتَ خَیۡرُ ٱلۡوَ ٰرِثِینَ * فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَوَهَبۡنَا لَهُۥ یَحۡیَىٰ وَأَصۡلَحۡنَا لَهُۥ زَوۡجَهُۥۤۚ إِنَّهُمۡ كَانُوا۟ یُسَـٰرِعُونَ فِی ٱلۡخَیۡرَ ٰتِ وَیَدۡعُونَنَا رَغَبࣰا وَرَهَبࣰاۖ وَكَانُوا۟ لَنَا خَـٰشِعِینَ (الأنبياء: 89–90.
وقال النبي ﷺ:(إن الله حييٌّ كريم، يستحيي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرًا خائبتين (رواه الترمذي وصححه الألباني.
ورفع اليدين علامة على صدق التضرع، وهو أدب من آداب الدعاء، يدل على التذلل والإلحاح، وهما من أعظم أسباب الإجابة.
ومع ذلك، فإن الاستجابة لا تعني العجلة؛ فالله بحكمته يستجيب لعباده كما يشاء، ولا يعجل بعجلة الخلق. وقد وردت النصوص في ذلك، كما في قوله عليه الصلاة والسلام، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله ﷺ قال:
(يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: قد دعوت ربي فلم يُستجب لي (متفق عليه، وفي رواية لمسلم:(لا يزال يُستجاب للعبد ما لم يدعُ بإثم، أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل، قيل: يا رسول الله، وما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوت، وقد دعوت، فلم أرَ يُستجاب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء”.
وتكون الإجابة على ثلاثة أحوال:
- أن يستجيب الله للداعي دعاءه ويقضي حاجته كما سألها.
- أن يصرف عنه من السوء والشر بمقدار ما دعا به؛ فكم من دعوات صرفت بها عن العبد مصائب وكوارث وهو لا يدري، أو يصاحب القدر لطف الله عند نزوله، كما ثبت في الحديث:(الدعاء يرد القضاء (أخرجه السيوطي في الجامع الصغير، وهو من باب مدافعة الأقدار الكونية بالأقدار الشرعية.
- أن يدخر الله للعبد الدعاء، ويجعله من حسناته في الآخرة، فيجدها يوم القيامة وهو أحوج ما يكون إليها، فيفرح بها، ويعلم أن اختيار الله له خير من اختياره لنفسه، وأن الله لطيف بعباده، “فما حرمك إلا ليعطيك”.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
(ما من مسلم دعا الله تبارك وتعالى إلا أعطي بها إحدى ثلاث: إما أن يُعطى كالذي سأل، وإما أن يُدَّخر له في الآخرة، وإما أن يُصرف عنه من الشر بقدرها (أخرجه العقيلي.
3/ النصر والتمكين:
لا تنحصر ثمرات التضرع والدعاء في نطاق الأفراد فقط، بل تتعداها إلى المجتمعات والأمم، حيث يكون الدعاء مفتاحًا للفرج الجماعي والنصر الإلهي، كما وقع في مواقف عديدة من تاريخ الأنبياء، وأبرزها دعاء نبي الله موسى عليه السلام في مواجهة طغيان فرعون وقومه.
يقول الله تعالى على لسان موسى عليه السلام:
﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ قَوْمٞ مُّجْرِمُونَ﴾ الشعراء: 168.
فهذا الدعاء كان تعبيرًا عن حال القهر والظلم الذي لحق ببني إسرائيل، وطلبًا لنصرة الله تعالى وتفريج الكرب عنهم. وقد جاءت الاستجابة الإلهية سريعًا، حيث أوحى الله تعالى إليه بالهجرة والنجاة: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ﴾ الشعراء: 52.
وهذا يدل على أن الدعاء لم يكن مجرد تضرع فردي، بل كان تأسيسًا لتحول تاريخي في مصير أمة، كما يدل على أن الدعاء والتضرع، حين يصدر من القلوب المؤمنة الصادقة، يكون مفتاحًا للنصر وسببًا لرفع الظلم عن المجتمعات، وتمهيدًا للتحول من حال الضعف إلى حال القوة والتمكين. وهو ما قد تغفل عنه كثير من الأمم حين تقع في الأزمات، فتنشغل بالأسباب المادية وحدها وتغفل عن أعظم الأسباب وأقربها: الدعاء الصادق والتضرع الخاشع.
4/ التضرع يُورث الطمأنينة والانكسار لله:
من أعمق الآثار النفسية والمعنوية للتضرع ما يورثه في قلب العبد من طمأنينة وسكينة ويقين، إذ يُعَدّ التضرع مظهرًا راقيًا من مظاهر الذكر، يجمع بين الانكسار لله، والخضوع لجلاله، والافتقار إلى رحمته، وهو بهذا يتجاوز الذكر المجرد باللسان إلى ذكرٍ يحيا فيه القلب وتتفاعل فيه الجوارح.
قال الله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ الرعد: 28.
وفي هذا المعنى يقول ابن القيم رحمه الله:
“في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته.”
والتضرع بهذا الاعتبار من أعلى مراتب الذكر، لأنه لا يقتصر على مجرد الألفاظ، بل يشمل:
- ذكر اللسان بالدعاء والثناء.
- وخشوع القلب وخضوعه لله.
- وانكسار النفس، وشعورها بالفقر إلى الله والافتقار الكامل إليه.
فالعبد إذا تضرع إلى الله خاشعًا منكسرًا، شعر بقربه من ربه، وأحس بأن حاجاته وقلقه وهمومه بين يدي من لا يعجزه شيء، فتُبدَّل الوحشة أنسًا، والقلق طمأنينة، والضعف عزة بالاعتماد على القوي العزيز. وهذا الاستسلام القلبي لله عز وجل هو من أعظم مقامات العبودية، وهو مفتاح كل خير في الدنيا والآخرة.
ولهذا، فإن التضرع ليس فقط وسيلة لطلب الحاجة، بل هو حالة إيمانية راقية تبعث في القلب السكينة وتملأ النفس رضا وطمأنينة، كما قال بعض السلف:
“لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من لذة المناجاة، لجالدونا عليها بالسيوف.”
5/ التضرع سبب لجلب الأرزاق ودفع العذاب العام:
من الآثار الجماعية العظيمة للتضرع، أنه يكون سببًا في إنزال الرحمة، ودفع العذاب، وجلب الأرزاق، خاصة حين يصدر من جماعة من الناس بقلوب صادقة وألسنة خاشعة. وقد ورد في القرآن الكريم نموذج فريد لهذه السنة الإلهية في قصة قوم يونس، قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتۡ قَرۡیَةٌ ءَامَنَتۡ فَنَفَعَهَآ إِیمَـٰنُهَآ إِلَّا قَوۡمَ یُونُسَۘ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفۡنَا عَنۡهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡیِ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَمَتَّعۡنَـٰهُمۡ إِلَىٰ حِینٍ﴾ يونس: 98.
فقد ذكر المفسرون أن قوم يونس، لما تحققوا من نزول العذاب، آمنوا بالله وتابوا وتضرعوا إليه تضرعًا جماعيًا صادقًا، فاستجاب الله لهم ورفع عنهم العذاب الذي كان محققًا.
ومن هنا نفهم أن التضرع ليس مجرد عبادة فردية، بل هو وسيلة إصلاح جماعي، وسُنة ربانية لدفع البلايا وجلب الخيرات، ومنها الغيث والخصب والبركة في الأرزاق. وقد قرر القرآن هذه القاعدة في مواضع أخرى، منها قوله تعالى:
﴿وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡقُرَىٰٓ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَفَتَحۡنَا عَلَیۡهِم بَرَكَـٰتࣲ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾ الأعراف: 96.
وعليه، فإن من السنن الربانية الجارية في الأمم أن الإيمان المقترن بالتضرع الصادق يجلب الرحمة والرزق والبركة، ويكون سببًا في دفع البلاء، وهذا مما ينبغي أن تستحضره المجتمعات في أوقات الأزمات والنوازل، بدل الاقتصار على المعالجات المادية.
6/ التضرع الصادق طريق إلى محبة الله:
إن التضرع الصادق بما يحمله من ذلّ وانكسار وخضوع تام بين يدي الله تعالى، يُعَدّ من أعظم أبواب القرب من الله، بل هو من أعجل الوسائل لاستجلاب محبة الله لعبده، ولذوق حلاوة الأنس به، وطمأنينة القلب بمعيته.
وقد دلّت نصوص الوحي على أن الذل والانكسار لله هو من أحب الأحوال إلى الله تعالى، وأقربها لنيل رضاه، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ﴾البقرة/222، وفي التوبة حقيقة الانكسار والرجوع، وهو جوهر التضرع. وقال تعالى:﴿إِنَّهُۥ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُسۡتَكۡبِرِینَ﴾النحل/23،
فدلّ على أن الذلة لله هي سبيل المحبة، وأن الكبرياء والاستعلاء حائل دونها.
ومن المواضع العظيمة التي يُشرع فيها التضرع، قيام الليل، ووقت السحر، حيث تتجلّى فيه الخلوة مع الله، ويصفو القلب من شواغله، وتكون الروح أقرب ما تكون للخشوع والانكسار وقد أثنى الله على أهل هذا المقام فقال:
﴿كَانُوا۟ قَلِیلٗا مِّنَ ٱلَّیۡلِ مَا یَهۡجَعُونَ * وَبِٱلۡأَسۡحَارِ هُمۡ یَسۡتَغۡفِرُونَ﴾ الذاريات: 17–18
ولهذا فإن الذين عرفوا أسرار التضرع، خاصة في الأسحار، يدركون أنه ليس مجرد دعاء أو رجاء، بل مقام من مقامات الحب الإلهي، فيه يجد العبد أنس الخلوة، ولذة القرب، وطُمأنينة التوكل، ويفيض على قلبه نور المحبة التي لا تُنال بكثرة العمل فحسب، بل بصدق التوجه، ودوام التضرع، وإخلاص العبودية.
7/التضرع طريق إلى رضا الله والفوز بالجنة:
إن رضا الله هو الغاية العظمى التي يسعى لتحقيقها كل مؤمن صادق، وهو أعظم ما يُنال في الدنيا والآخرة، قال تعالى:
﴿وَرِضْوَٰنٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: 72]،
أي أن رضا الله أعظم من كل نعيم، وأغلى من كل مطلوب، حتى من نعيم الجنة نفسه.
وقد دلّت النصوص الشرعية على أن من أعظم أبواب نيل الرضوان الإلهي هو الدعاء الصادق المتضرع، المتسم بالخشوع، والانكسار، والتوكل، وحسن الظن بالله. فالتضرع ليس مجرد طلب، بل هو عبودية قلب ولسان، تفتح للعبد أبواب القبول والمحبة والرضا.
قال تعالى: ﴿إِنَّهُمۡ كَانُوا۟ یُسَـٰرِعُونَ فِی ٱلۡخَیۡرَٰتِ وَیَدۡعُونَنَا رَغَبࣰا وَرَهَبࣰا وَكَانُوا۟ لَنَا خَـٰشِعِینَ﴾ [الأنبياء: 90، وهذا في وصف الأنبياء والصالحين، ممن نالوا عناية الله ورضاه، وسرّ ذلك أنهم جمعوا في دعائهم بين الرجاء والخوف، وبين التضرع والخشوع.
ويقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح:
“من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس، لم تُسَدّ فاقته، ومن أنزلها بالله أوشك الله له بالغنى، إما عاجلًا أو آجلًا” [رواه الترمذي].
فالدعاء المتضرع لا يُرد، لأنه مظهر من مظاهر الافتقار الكامل إلى الله، والتوكل عليه، وإخلاص الوجه له، وهي كلها أعمال قلبية ترضي الله عز وجل، وتفتح للعبد باب الرضا، والعفو، والفضل.
وقد قرّر النبي ﷺ هذه القاعدة في حديث جامع، فقال:
“الدعاء هو العبادة” [رواه الترمذي وصححه الألباني،
أي أن كمال العبودية إنما يتحقق في التضرع والخضوع والرجاء، ولذلك فإن الدعاء الخاشع طريق للفوز بالرضوان، ومن ثمّ الجنة.
وقد دلّ القرآن على أن أهل الجنة هم أهل الدعاء والتضرع، قال تعالى:
﴿إِنَّهُمۡ كَانُوا۟ قَبۡلَ ذَٰلِكَ مُحۡسِنِینَ * كَانُوا۟ قَلِیلࣰا مِّنَ ٱلَّیۡلِ مَا یَهۡجَعُونَ * وَبِٱلۡأَسۡحَارِ هُمۡ یَسۡتَغۡفِرُونَ﴾ [الذاريات: 16–18]،
وفي هذا بيان واضح أن قيام الليل، والاستغفار، والدعاء في الأسحار، كان من أسباب نيلهم للجنة، ومن قبلها رضا الله.
ويُروى في الحديث القدسي أن الله تعالى يقول:
“يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي” [رواه الترمذي].
فأيُّ كرم أعظم من هذا؟ وأيُّ طريق إلى رضا الله أيسر وأوسع من باب التضرع والدعاء؟
وحين يُقبل العبد على ربه، خاشعًا، منكسرًا، رافعًا يديه في ظلمة الليل، أو في خلواته، أو في سجوده، يُناجي ربه بيقين وثقة، فإنه يدخل من أوسع أبواب القبول والمغفرة والرضوان، ويمهّد لنفسه الطريق إلى جنة عرضها السماوات والأرض.
“ليس شيء أحب إلى الله من عبد دعاه، ولا طريق أقرب إلى رحمته من باب التضرع، وإذا فتح الله للعبد باب الدعاء فقد أراد به الخير، وضمن له القبول، إما بتحقيق مطلوبه، أو دفع مكروه عنه، أو ادخار ذلك له يوم يلقاه”.
ومسك الختام:
إن التضرع ليس مجرد انفعال عاطفي أو لحظة وجدانية عابرة، بل هو عبادة عظيمة تجمع بين أركان العبودية القلبية والقولية؛ من توحيد خالص، ويقين راسخ، ورجاء في رحمة الله، وخوف من سخطه، وانكسار بين يديه، وافتقار لا يُرفع إلا إليه. فهو سِرّ القرب، وبوابة الرضا، ومفتاح النصر والفرج، ووسيلة لنيل الطمأنينة والسكينة في الدنيا، ورضوان الله في الآخرة.
وقد دلّت النصوص الشرعية، وسير الأنبياء والصالحين، على أن الدعاء المتضرع كان شعارهم في الرخاء والشدة، ومظهر عبوديتهم في السراء والضراء، لا يتركونه في رخاء، ولا ييأسون منه في بلاء، وكان ذلك سببًا في تأييد الله لهم، وكشف الضر عنهم، وتحقيق النصر والتوفيق في مسعاهم.
فليكن التضرع خُلقًا دائمًا يلازم المؤمن في كل أحواله، لا ينحصر في أوقات الأزمات والكروب، بل يكون ديدنه في السحر، وسجوده في الصلاة، وخلواته مع ربه، وطلبه للعون في كل شأنه. فإن العبد إذا عوّد قلبه الذل والانكسار لله، أورثه الله رفعة، ومحبة، وقربًا لا تُنال بغير ذلك.
نسأل الله أن يجعلنا من المتضرعين الخاشعين، الذين لا يخيب لهم رجاء، ولا يُرد لهم دعاء، وأن يختم لنا بالحسنى، ويجعلنا ممن قال فيهم:
﴿إِنَّهُمۡ كَانُوا۟ یُسَـٰرِعُونَ فِی ٱلۡخَیۡرَٰتِ وَیَدۡعُونَنَا رَغَبࣰا وَرَهَبࣰا وَكَانُوا۟ لَنَا خَـٰشِعِینَ﴾ الأنبياء: 90.
والحمد لله رب العالمين