بقلم الشيخ/ عبدالله العلوي
تمهيد:
تمثّل الأعياد الدينية في المجتمعات المتعددة الأديان محكًّا عمليًا لاختبار مدى احترام الدولة للتنوع، وتحقيقها لمبدأ المواطنة المتساوية. وفي إرتريا، حيث يتوزع الشعب غالباً بين الإسلام والمسيحية (وخاصة الأرثوذكسية)، يفترض أن تكون الأعياد الدينية مناسبة للتعبير عن التعدد والعدالة والهوية، إلا أن واقع الحال يُظهر مفارقةً لافتة، حيث يشعر المسلمون بوجود تمييز منهجي في التعامل مع أعيادهم مقارنة بما يُمنح للأعياد المسيحية من اهتمام رسمي وإعلامي.
أولًا: الأعياد الدينية في السياق الإرتري:
تُعدّ الأعياد الدينية من أبرز مظاهر الهوية والانتماء الديني والثقافي، وتكتسب بعدًا اجتماعيًا وروحيًا خاصًا، ففي إرتريا، يحتفل المسلمون بعيد الفطر وعيد الأضحى، بينما يحتفل المسيحيون بعيد الميلاد وعيد القيامة، إلى جانب أعياد خاصة بالكنيسة الأرثوذكسية. وقد عُرفت المجتمعات المحلية في إرتريا، تاريخيًا، بنوع من التعايش والتكافل في مناسبات الأعياد، خاصة في المناطق ذات التداخل السكاني والديني.
ثانيًا: مظاهر التمييز الرسمي في التعامل مع الأعياد:
ورغم هذا التعايش المجتمعي، يُلاحظ المسلمون بمرارة وجود تمييز واضح في تعامل الدولة ونظامها السياسي مع الأعياد الدينية، ويتجلى ذلك في عدد من المظاهر:
1/ التمييز الإعلامي:
- تحظى الأعياد المسيحية الأرثوذكسية بتغطية واسعة في الإعلام الرسمي، حيث تُنقل الصلوات والطقوس على الهواء، وتُعد تقارير صحفية وإذاعية موسعة.
- في المقابل، تمر الأعياد الإسلامية دون اهتمام يُذكر، وأحيانًا دون حتى بيان تهنئة من الجهات العليا، مما يعكس خللًا في مبدأ العدالة الدينية.
2/ التمثيل الرسمي:
- يشارك كبار المسؤولين، بمن فيهم رئيس الدولة، في أعياد الكنيسة، بينما يغيب التمثيل الرسمي عن أعياد المسلمين، أو يقتصر على مستويات دنيا دون رمزية سياسية.
- لا تُوجّه برقيات التهاني للمسلمين بذات الاهتمام والحرارة التي تُخصّ بها الكنيسة.
3/ الإجازات والعطل الرسمية:
- تُمنح أعياد المسيحيين إجازات وطنية معلنة وثابتة.
- أما أعياد المسلمين فتُعلن في بعض الأحيان، وأحيانًا تُهمل أو تُعامل بشكل غير منتظم.
- من المناسبات الدينية التي لم تحظ بالاهتمام في العطل والإجازات يوم الجمعة حيث هو من أيام العمل الرسمي بينما تعد يوم الأحد عطلة رسمية مما يوحي بدلالات سالبة لدى المسلمين.
4/ الخطاب الرمزي والثقافي:
- تُبرز الدولة، عبر خطابها الرسمي، الديانة المسيحية كجزء من “الهوية الوطنية”، بينما يُعامل الإسلام في أحيان كثيرة كعنصر خارجي أو وافد ثقافي، رغم تجذره العميق في التاريخ الإرتري.
ثالثًا: البعد الحقوقي والدعوي:
1/ الحقوق الدينية في المواثيق الدولية:
تنص المواثيق الدولية، مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، على حرية الدين والمعتقد، وضمان المساواة في الحقوق الدينية، بما في ذلك ممارسة الشعائر والاحتفال بالأعياد دون تمييز.
2/ المواطنة المتساوية:
يفترض في الدولة الوطنية الحديثة أن تكون على مسافة واحدة من كل مكوناتها الدينية والثقافية، وأن تتعامل مع الأعياد بوصفها استحقاقًا وطنيًا، لا مناسبة طائفية.
3/ الدور الدعوي والتوعوي:
يقع على الدعاة والمثقفين المسلمين دور كبير في:
- تعزيز الوعي بالحقوق الدينية بكافة الوسائل الممكنة.
- المطالبة بالعدالة في التمثيل الرمزي والإعلامي للأعياد.
- المطالبة بكافة الحقوق الدينية دون التنازل عن شيء منها وأن ذلك صمام الأمان للوحدة الوطنية.
- تعزيز دور المؤسسات الدينية للمسلمين والحرص على تعبيرها عن مصالحهم والتأكيد على استقلاليتها.
رابعًا: دعوة للإصلاح:
إنّ ما يعانيه المسلمون في إرتريا من تهميش في مناسباتهم الدينية هو أحد تجليات التمييز الديني الأوسع الذي يعانيه المجتمع المسلم في ظل السياسات القائمة. ومن هنا، فإن هذه الورقة تدعو إلى:
- المطالبة بالعدالة الدينية في التعامل مع الأعياد، في التغطية الرسمية، والتمثيل السياسي، والإجازات.
- احترام التعدد الثقافي والديني كجزء من الهوية الوطنية الجامعة.
- دعم جهود التوعية الحقوقية والدعوية بخصوص هذه القضايا، في الداخل والشتات.
وخلاصة القول:
فإن الأعياد ليست مجرد طقوس ظاهرية، بل عنوان للمكانة والاعتراف، والتعامل العادل مع الأعياد هو مِرآة لاحترام الحقوق، وتحقيق المواطنة الحقة. والمسلمون في إرتريا، وهم جزء أصيل من شعبها، يستحقون أن يُحتفى بأعيادهم كما يُحتفى بغيرهم، دون تمييز أو تهميش إنها دعوة للإنصاف، لا للغلبة، وللمشاركة لا للإقصاء.