الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده:
فاتحة كل كتاب تعبر عن مضامينه وكلياته الكبرى وهكذا هو الحال مع أم الكتاب وفاتحة القرآن الكريم فسورة الحمد ليست افتتاحًا للقرآن فحسب، بل تأسيسٌ لمنهج العبودية كلِّه؛ فهي بعد البسملة المعبرة عن طبيعة البداية في كل أمر يتعلق بالمسلم تبدأ بتصحيح زاوية النظر في الحياة: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾، فالحياة في الوعي الإيماني ليست شكوى ممتدة، بل حمدٌ متجدد، وشكرٌ يستحضر الموجود قبل أن يتحسّر على المفقود. ومن هنا تبدأ التربية: من الامتلاء بالثناء قبل مطالبة النفس بالتكليف فالمحمود هو الله وحده المنعم على عباده إيجادا وإعدادًا وإمدادًا وهو رب العالمين بكل تفاصيل العالم .
ثم يُعرِّفنا الله بنفسه من خلال أعظم صفاته أثرًا في الخلق: ﴿الرحمن الرحيم﴾، ولما كانت السورة قد اشتملت على معاني الجلال والإكرام ربوبية وألوهية وملك ( الرب/ الله / الملك) إلا أنها في مفتتح الكتاب قد حددت طبيعة أساسية فيه وهو ترجيح الرحمة على العقاب وترجيح الإكرام على الجلال ليكون التدين قائمًا على الرحمة، والتربية مشفوعة باللطف؛ فكل تدين يخلو من الرحمة نقص، وكل تربية تجردت من الرفق قسوةٌ تُفسد أكثر مما تُصلح.
ويترسخ البناء العقدي بيقين الآخرة: ﴿مالك يوم الدين﴾؛ فالوعي بالحساب يصنع إنسانًا مسؤولًا، يستقيم في السر قبل العلن، ويُحسن العمل لأنه يوقن بالعدل الإلهي الذي لا يضيع مثقال ذرة.
وبعد الثناء والتمجيد يعلن العبد غاية وجوده: ﴿إياك نعبد﴾؛ توحيدًا للوجهة والقصد، وتحريرًا للإرادة من كل عبوديةٍ لغير الله، إذ لا عبودية لهوى ولا خضوع لبشر، فكل تربية لا تنتهي إلى توحيد المقصد تربية ناقصة.
غير أن بين التكليف والعجز مساحةً لا تُملأ إلا بالافتقار: ﴿وإياك نستعين﴾؛ فلا سعي مثمر بلا توفيق، ولا نجاح بلا عونٍ من الله تعالى، ولهذا اقترنت العبادة بالاستعانة؛ إذ العبد قائمٌ بين جهدٍ يبذله، ومددٍ يُفيضه الله عليه وقد جمعت (إياك نعبد وإياك نستعين) بين الغايات والوسائل بعبارات غاية في الدقة والشمول.
ثم تأتي وظيفة الرسالات كلِّها في كلمة جامعة: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾؛ فالهداية طلبٌ يوميٌّ متجدد، والثبات أصعب من البداية، ولا غنى للعبد عن سؤال ربه أن يعرِّفه الحق ويثبته عليه ، وأعظم مقصود للرسالات والكتب هي هداية الخلق للحق بالحق والعدل.
ويُحدَّد الصراط بأهله: ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾؛ فالقدوة ضرورة تربوية، والطريق يُفهم بسالكِيه، والنجاح يُقاس بمن سبق إليه؛ وهم الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون
وفي المقابل يُبيَّن مسارا الانحراف: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾؛ انحرافُ علمٍ بلا عمل، أو عملٍ بلا علم، والنجاة في الجمع بين نور المعرفة واستقامة السلوك.
وهكذا تختصر الفاتحة مقاصد القرآن كله: توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، والإيمان باليوم الآخر، وتقرير الرسالة والنبوة، وبيان الغاية (العبادة) والوسيلة (الاستعانة)، وطلب الهداية مع تمييز مناهج الناس قبولًا وردًّا، فهي في كل ركعة إعادةُ ضبطٍ للبوصلة الروحية؛ ومن لم يُربِّه التكرار لم يُصلحه الوعظ العابر.