غاية التقوى في البناء القرآني – الحلقة الأولى

2 أبريل 2026 65

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الأمين إمام المتقين وسيد المرسلين أما بعد:

كان رسول الله ﷺ إذا افتتح خطبةً أو حديثًا بدأ بما عُرف عند العلماء بـ خطبة الحاجة، فيحمد الله تعالى ويثني عليه، ويصلي على نبيه، ثم يتلو آياتٍ جامعة تؤسس لمقاصد كبرى في الوعي الإيماني وكان من هديه ﷺ أن يفتتح بآيات التقوى، وهي قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ آل عمران: 102

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ… إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ النساء: 1

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ الأحزاب: 70–71.

ومن خلال هذا التكرار المنهجي لنداء التقوى — سواء بصيغة: يا أيها الذين آمنوا أو بصيغة: يا أيها الناس — يتبين أن النبي ﷺ كان يريد ترسيخ هذه القيمة المركزية في وجدان السامعين، وعموم الناس لتظل حاضرة في وعي المكلف، بوصفها من الغايات القرآنية الكبرى.

التقوى في سياق الغايات القرآنية:

التقوى من الغايات القرآنية الكبرى التي تتخلل الآيات القرآنية بصيغ مختلفة (لعلهم يتقون/ لعلكم تتقون) نذكر منها على سبيل المثال الآيات الآتية:

قال تعالى: (كَذَ ٰ⁠لِكَ یُبَیِّنُ ٱللَّهُ ءَایَـٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ یَتَّقُونَ) البقرة/187

(وَأَنذِرۡ بِهِ ٱلَّذِینَ یَخَافُونَ أَن یُحۡشَرُوۤا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ لَیۡسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِیࣱّ وَلَا شَفِیعࣱ لَّعَلَّهُمۡ یَتَّقُونَ) الأنعام/51

(وَإِذۡ قَالَتۡ أُمَّةࣱ مِّنۡهُمۡ لِمَ تَعِظُونَ قَوۡمًا ٱللَّهُ مُهۡلِكُهُمۡ أَوۡ مُعَذِّبُهُمۡ عَذَابࣰا شَدِیدࣰاۖ قَالُوا۟ مَعۡذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَلَعَلَّهُمۡ یَتَّقُونَ) الأعراف/164

(وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِیثَـٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُوا۟ مَاۤ ءَاتَیۡنَـٰكُم بِقُوَّةࣲ وَٱذۡكُرُوا۟ مَا فِیهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ) البقرة/63

(یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَیۡكُمُ ٱلصِّیَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ) البقرة/183. وفي ذلك ما يكفي لبيان وتأكيد ما نرمي إليه من غائية التقوى.

وإذا أردنا أن نضع التقوى في سياق منظومة الغايات، فإنها تُعدّ من الغايات الوسطى؛ أي إنها تسبقها غايات، وتعقبها غايات أخرى، ومن المعلوم أن باب الغايات يشهد تداخلاً وتشابكًا؛ فبعضها يكون وسيلة لغيره، وبعضها يتحول من غاية إلى وسيلة لغاية أعلى منها فالتقوى تسبقها جملة من الغايات، مثل:

غاية التسليم

غاية الذكر

غاية التعبد

غاية الدعاء والتضرع

غاية التفكر والتعقل

وهذه الغايات تمهّد لتحقيق التقوى في النفس.

وفي المقابل، تعقب التقوى غايات أخرى، منها ما هو متعلق بالإنسان في دنياه وأخراه، ولا يمنع أن تكون التقوى متقدمة على غيرها بمعنى من المعاني الجامعة والمتداخلة مع غيرها، ومنها ما هو فضلٌ من الله تعالى لعباده، كالفلاح، والفوز، والرضوان، ودخول الجنان. وهذه كلها غايات مذكورة في القرآن، لكنها منحة إلهية تترتب على تحقق التقوى

التعبد مدخلٌ إلى التقوى:

من الغايات المركزية السابقة للتقوى: غاية التعبد وقد افتتح الله تعالى أول نداء عام في كتابه بقوله:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ البقرة: 21.

والسؤال: لماذا نعبد الله؟

هل الله محتاج إلى عبادتنا؟

وهو سبحانه الذي يسبح له ما في السماوات والأرض، وتطوف الملائكة بالبيت المعمور — يدخل إليه كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه مرة أخرى؟

والله هو الغني بذاته لن تزيده العبادة ولن ينقصه عدمها فهو صاحب الكمال والجلال والجمال المنزه عن كل عيب ونقص .

الجواب القرآني حاسم: العبادة ليست حاجةً إلهية، بل مصلحةٌ إنسانية.

فالعبادة تنعكس على الإنسان صلاحًا في النفس، واستقامةً في الحياة، وفوزًا في المصير.

ولهذا قال تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾؛

فجعل غاية العبادة تحقيق التقوى.

فإذا عبد الإنسان ربَّه على الوجه المشروع، زكت نفسه، واستقامت حياته، وتحقق له معنى الاتقاء.

التقوى سلّمٌ إلى الشكر:

غير أن التقوى نفسها ليست الغاية النهائية في البناء القرآني؛ بل هي بدورها وسيلة لغايةٍ أعلى، هي غاية الشكر. قال تعالى:﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ آل عمران: 123.

فجعل العبادة غايتها التقوى، وجعل التقوى غايتها الشكر.

ومن هنا نفهم أن الشكر مرتبةٌ أعلى من التقوى؛ فالعابدون كُثُر، وأهل التقوى أقل منهم، وأهل الشكر أقل من أهل التقوى.

ولذلك كان هدف الشيطان المركزي أن يصدّ الناس عن بلوغ هذه الغاية العظمى، فقال: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ الأعراف: 17، وقال سبحانه: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ سبأ: 13.

فالتقوى إذن غاية عظيمة، لكنها في الوقت نفسه سلّمٌ يرقى بالعبد إلى مقامٍ أرفع، هو مقام الشكر؛ حيث يتحول الامتثال من مجرد اتقاءٍ للعقوبة، إلى اعترافٍ قلبي ولساني وعملي بنعمة المنعم سبحانه.

خلاصة البناء الغائي:

يمكن تلخيص الترتيب الغائي على النحو الآتي:

التعبد _ يثمر التقوى

التقوى _تثمر الشكر

الشكر _ يفتح أبواب الفلاح والفوز والرضوان

وهذا الترابط يكشف عن وحدة المقصد القرآني، وأن الغايات ليست جزرًا منفصلة، بل هي حلقات في سلسلة متكاملة، يتدرج فيها العبد من الامتثال، إلى الاتقاء، إلى الشكر، ثم إلى الفوز برضوان الله وجنته.

وبذلك تتضح مركزية التقوى في المنظومة القرآنية: فهي غايةٌ وسطى، ومحورٌ تربوي، وجسرٌ يصل العبد بأعلى مقامات السير إلى الله.

تسلسل الغايات من العبادة إلى الفلاح:

تبين لنا بأن التقوى غايةً لغايةٍ أعظم، هي شكر الله سبحانه وتعالى؛ فكأن الخطاب الإلهي يقول لنا:(اعبدوا الله لتتقوه، واتقوه لتشكروه).

فهذه الغايات ليست منفصلة، بل متسلسلة في نسقٍ مقصود؛ إذ يلي الشكرَ غاياتٌ أعلى، كالفلاح، والرضوان، ورحمة الله، ودخول الجنان، بل وبلوغ مقام الشهادة على الناس بالحق في الأرض. إنها سلسلة مترابطة تتصاعد بالعبد من مقام إلى مقام.

وفي هذا السياق تتوسط التقوى هذه المنظومة الغائية:

تسبقها غايات تمهّد لها، وتعقبها غايات تنتج عنها، مما يؤكد أنها غاية مركزية في البناء القرآني.

الأمر بالتقوى لجميع الخلق:

ولأهمية هذه المنزلة، أمر الله تعالى بها أنبياءه، بل خاطب بها خاتمهم ﷺ مباشرة فقال:

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾

الأحزاب: 1

وتأملوا دلالة هذا الخطاب؛ فالله يخاطب نبيه المعصوم بقوله: اتق الله.

ولو قيل لأحدنا: “اتق الله”، ربما ظن أن في ذلك اتهامًا بالتقصير. لكن التقوى ليست مجرد ترك المعصية، بل هي مقامات عليا ودرجات متصاعدة؛ لأن السير إلى الله لا نهاية له إلا إليه (وأن إلى ربك المنتهى)، وكل مقام يفضي إلى مقام أعلى منه.

ثم أمر الله بها الصحابة رضي الله عنهم:

﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ آل عمران: 123

وأمر بها عموم المؤمنين:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ آل عمران: 102

وأمر بها أهل الكتاب:

﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ النساء: 131

وأمر بها الناس أجمعين:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ… لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ البقرة: 21

وجعلها شرطًا لدخول الجنة:

﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا﴾ مريم: 63

وخاطب بها أولي الألباب:

﴿وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ البقرة: 197

فتنوع الخطاب فيها يدل على عمومها وشمولها؛ فقد خوطب بها الأنبياء، والصالحون، وأهل الكتاب، وعموم المؤمنين، بل والناس كافة. وهذا التنوع يكشف عن عظمتها ومركزيتها في المنظومة الإيمانية. والسردية القرآنية.

خلل في الفهم للتقوى:

غير أن الخلل الكبير لا يكمن في أهمية التقوى، وإنما في الفهم الصحيح لمعناها.

فلكل إنسان تصورٌ عنها؛ فبعض الناس يظن التقوى حالةً من الانزواء والمسكنة، أو كثرة الذكر، أو لزوم المسجد أو التزام الشعائر الظاهرة ولكن هذه تصورات لا تعكس المعنى القرآني العميق.

وهنا يظهر ما يمكن تسميته بـ فخّ المصطلح؛ إذ تتراكم عبر العصور أعرافٌ وتقاليد وتصورات ذهنية، فيُسقط الإنسان مفهومه الخاص على المصطلح القرآني، بدل أن يستمد تعريفه من القرآن نفسه.

وللتحرر من هذا الفخ، لا بد من الرجوع إلى القرآن؛ فهو الذي يحدد مصطلحاته ويبين أبعاده. وكما قال الشاطبي رحمه الله في الموافقات:

“إن كتاب الله قد تقرر أنه كلية الشريعة، وعمدة الملة، وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر.”

فالقرآن هو المرجع في تحديد معنى التصور والمصطلح، ومن ثم تنبثق بقية التفاصيل المتفرعة عنه.

التقوى في الاستعمال القرآني:

عند التأمل في القرآن نجد أن التقوى غاية تتكرر بصيغة “لعلكم تتقون” أو “لعلهم يتقون” في سياقات متعددة، مما يدل على أنها الهدف الجامع لكثير من التشريعات والغاية الكبرى لها، فقد ربط الله التقوى بأخذ الكتاب بقوة، كما في خطاب بني إسرائيل.

وربطها بالقصاص فقال:

﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ البقرة: 179

وربطها بالصيام:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ… لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ البقرة: 183

وربطها بجملة المحرمات والوصايا الكبرى في سورة الأنعام:

﴿ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ الأنعام: 153

كما ربط بيان الآيات بالتقوى:

﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ البقرة: 187

وربط إقامة الدعوة والإنذار بها:

﴿مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ الأعراف: 164

فتأمل هذا النسق:

الكتاب، والقصاص، والصيام، والوصايا، وبيان الآيات، وإقامة الدعوة — كلها وسائل، وغايتها المركزية: تحقيق التقوى.

خلاصة المعنى:

يتبين أن التقوى ليست حالةً فردية منعزلة، ولا مجرد سلوك تعبدي محدود، بل هي المقصد الجامع الذي تدور حوله الأوامر والنواهي، والتشريعات والشعائر، والدعوة والبيان.

فهي غاية تتوسط المنظومة الغائية الكبرى:

تسبقها العبادة،

ويعقبها الشكر،

ثم الفلاح والرضوان.

ومن هنا تتأكد ضرورتها وأهميتها، وتظهر الحاجة إلى تحرير مفهومها من التصورات الجزئية، والرجوع بها إلى معناها القرآني الشامل، بوصفها مقامًا إيمانيًا متدرجًا، وغايةً مركزية في مشروع الإنسان الاستخلافي في الأرض.

فما هي التقوى وماذا تعني في الدلالة القرآنية؟

التتمة في الحلقة القادمة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *