رابطة علماء إرتريا مرجعية علمية تنهض بالهوية وتصون الرسالة

16 أبريل 2026 43

في خضمّ التحولات التي تعصف بالمجتمعات، وفي زمنٍ تتكاثر فيه التحديات التي تمس الهوية والدين والإنسان، وتتداخل فيه المؤثرات الفكرية والاجتماعية، تشتدّ حاجة المجتمعات إلى مرجعيات علمية راسخة، تجمع كلمتها، وتحفظ ثوابتها، وتوجّه مسيرتها، وتبني وعيها على أسس من العلم والحكمة. ومن هذا المنطلق، برزت رابطة علماء إرتريا ككيان علمي دعوي مستقل، يحمل همّ المسلمين في إرتريا، ويسعى إلى تمثيلهم وخدمة قضاياهم، بروح المسؤولية وبمنهج متوازن يجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين الثبات على المبادئ والمرونة في الوسائل. فالرابطة ليست مجرد تجمع علمي وأكاديمي، بل هي ضرورة تاريخية تجسدت لتكون صوتاً للحق، ومنبراً للوعي، وحصناً للهوية في القطر الإرتري العزيز.

 

تأسست الرابطة عام 2015م، عقب مؤتمر علمائي جامع، شارك فيه نخبة من علماء إرتريا من الداخل والمهجر، في لحظة وعيٍ جماعي بضرورة توحيد الجهود، وسدّ الفراغ في المرجعية العلمية. وقد جاء هذا التأسيس استجابة واعية لحاجة المجتمع الإرتري المسلم لصوت علمي جامع، يوجّه، ويرشد، ويعبّر عن تطلعاتهم، وجاء التأسيس أيضا تعبيراً عن إرادة علمائية مسؤولة، تدرك أن غياب الإطار الجامع يضعف الكلمة، ويشتت الجهود، ويؤخر مسيرة الإصلاح. لم يكن تأسيس الرابطة وليد صدفة عابرة، بل جاء ثمرة لنضوج فكري عميق، وحاجة ماسة للمجتمع الإرتري المسلم.

 

تنطلق الرابطة من رؤية استراتيجية طموحة، تسعى من خلالها إلى أن تكون مرجعية علمية رائدة، لا تكتفي بمعالجة الواقع، بل تسهم في نهضة المجتمع الإرتري، وتصون هويته الإسلامية في وجه التحديات.

وتتمحور رسالتها حول نشر العلم الشرعي، باعتباره أساس الهداية وبوصلة السلوك، وتعزيز القيم الإسلامية التي تضبط حياة الفرد والمجتمع، والدفاع عن حقوق المسلمين، في إطار منهج وسطي معتدل يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويوازن بين النصوص الشرعية ومتطلبات الواقع، إنها تسعى لبناء إنسان إرتري يعتز بدينه، ويفخر بانتمائه، ويسهم بفعالية في بناء وطنه وأمته.

 

وضعت الرابطة لنفسها منظومة متكاملة من الأهداف التي تعبّر عن عمق رسالتها واتساع أفقها، وهي لا تتعامل معها بوصفها شعارات نظرية، بل مسارات عمل مترابطة تتكامل فيها الجوانب العلمية والدعوية والحقوقية. وفي هذا الإطار، تسعى الرابطة إلى:

  • توحيد جهود العلماء والدعاة، وبناء حالة من التكامل المؤسسي الذي يعزز فاعلية العمل الإسلامي، مع الحرص على جمع كلمة المسلمين الإرتريين وتوحيد صفوفهم وتوجيه طاقاتهم نحو ما يخدم دينهم ومجتمعهم.
  • كما تعمل الرابطة على نشر الوعي الديني الرشيد، القائم على الفهم الصحيح للنصوص، وبيان الأحكام الشرعية، لا سيما في النوازل والقضايا المستجدة، إلى جانب عنايتها بالعلماء والأئمة والدعاة، تطويراً وتأهيلاً وتعزيزاً لدورهم ومكانتهم في المجتمع.
  • وتولي اهتماماً خاصاً بحماية الهوية الإسلامية وصون مقوماتها، بما يشمل الحفاظ على الثقافة الإسلامية واللغة العربية، والتصدي لمحاولات طمسها أو تشويهها.
  • وفي الجانب المجتمعي والتنموي، تسعى الرابطة إلى تربية الأجيال الناشئة على مفاهيم الوسطية وقيم الدين، والاهتمام بالمرأة المسلمة وتمكينها من أداء دورها في خدمة المجتمع.
  • أما في الجانب الحقوقي والعلاقات العامة، فتعمل الرابطة على الدفاع عن الحقوق والحريات الدينية بأساليب مشروعة ومسؤولة، وتمثيل المسلمين الإرتريين في المحافل المختلفة، وإيصال صوتهم بموضوعية ومهنية.
  • تعزيز التواصل مع الهيئات والمنظمات المماثلة، وفتح آفاق الحوار مع الآخر بما يخدم الوحدة الوطنية ويحقق المصلحة العامة.
  • كما تواصل جهودها في نشر الدعوة الإسلامية في إرتريا بمختلف الوسائل والأساليب المشروعة، في إطار من الحكمة والتوازن.

 

تعتمد رابطة علماء إرتريا في منهجها على الكتاب والسنة وفق فهم أهل السنة والجماعة، بما يتسم به من وسطية وشمول وتوازن، جامعة بين الالتزام بالنصوص وتحقيق مقاصد الشريعة ورعاية مصالح الناس. وهي في ذلك تسترشد بمذاهب الأئمة الأربعة واجتهادات العلماء والمجامع الفقهية، مع إيمانها بأن باب الاجتهاد باقٍ ومستمر بضوابطه الشرعية المعتبرة، بما يتيح لها التعامل مع مستجدات العصر بوعيٍ وانضباط.

ولا تقف الرابطة عند حدود النقل، بل تعنى بحسن تنزيل الأحكام على الواقع، مستحضرةً تحديات الناس وظروفهم، ومقدّمة خطابًا فقهيًا ودعويًا واعيًا يربط بين النص والحياة، ويخاطب الإنسان المعاصر بلغته وقضاياه. كما تجمع في عملها بين الدعوة والإصلاح، مع اهتمام خاص بقضايا المسلمين في إرتريا، تعالجها بروح المسؤولية الشرعية والرؤية الواقعية. وتولي عناية واضحة بمنهجي فقه الأولويات وفقه الموازنات، فتقدّم ما حقّه التقديم، وتوازن بين المصالح والمفاسد، بما يحقق المقاصد الشرعية ويخدم المصلحة العامة.

 

يقوم عمل الرابطة على بنية تنظيمية متكاملة واضحة، تضم مجلس الشورى الذي يضع السياسات العامة، والأمانة العامة التي تدير التنفيذ، عبر أمانات متخصصة (علمية، دعوية، بحثية، حقوقية، علاقات عامة، وإعلامية)، تعمل بتكامل وانسجام. ويمنح هذا التنوع المؤسسي للرابطة قدرة على التعامل مع القضايا المختلفة بعمق وتخصص، ويحول دون الارتجال أو العشوائية في الأداء.

 

تتميّز الرابطة بقاعدة عضوية واسعة ونوعية، تجمع تحت مظلتها مختلف المدارس السنية الفكرية والدعوية والعلمية والتربوية الإرترية، في إطار من التكامل والتنوع المنضبط. فهي تضم نخبة من علماء الشريعة، والدعاة، وطلبة العلم، من داخل البلاد والمهجر، بما يعكس ثراءً علميا وتعددا معرفيا يُثري مسيرتها. ويُسهم هذا التنوع في تعزيز تبادل الخبرات، وتكامل الرؤى، وبناء مقاربات أكثر عمقاً وشمولاً في معالجة القضايا، كما يجسّد صورة حيّة لوحدة العقل العلمي الإرتري، القادر على التعامل مع اختلاف الاجتهادات بحكمة ومنهجية منضبطة، ضمن إطار جامع يحفظ الثوابت ويستوعب التنوع.

 

تتحرك الرابطة في عدة مجالات، تعكس شمولية الإسلام وواقعية الدعوة، من أبرزها:

  • المجال العلمي: من خلال إصدار الفتاوى، وتنظيم الدورات والندوات، وتأهيل الكوادر العلمية.
  • المجال الدعوي: عبر نشر الوعي، وتعزيز القيم الإسلامية، وتصحيح المفاهيم.
  • المجال المجتمعي: بالإسهام في الإصلاح بين الناس، والتربية، ومعالجة الظواهر السلبية، وتعزيز قيم التكافل والوحدة الوطنية.
  • المجال الحقوقي: بالدفاع عن حقوق المسلمين وحرياتهم، ورصد الانتهاكات، والتواصل مع الجهات المعنية.
  • المجال الدولي: بتمثيل المسلمين الإرتريين في المحافل المختلفة، وبناء جسور التواصل مع الهيئات والمؤسسات الإسلامية.

 

ويتّسع نطاق عمل الرابطة ليشمل بُعدين متكاملين: جغرافيًا ووظيفيًا، بما يعكس شمول رسالتها وامتداد تأثيرها. تمتد جهود الرابطة لتغطي دولة إرتريا، باعتبارها المجال الأصلي لرسالتها، كما تشمل مناطق وجود اللاجئين والجاليات الإرترية في دول الجوار والعالم، في سعيٍ لربطهم بهويتهم ودينهم، وصون أخلاقهم، وخدمتهم أينما كانوا، والدفاع عن حقوقهم ومصالحهم. كما تعمل على تعزيز روح الأخوة الإسلامية، وفتح آفاق الحوار مع الآخرين، بما يسهم في ترسيخ قيم التعايش السلمي بين مكونات المجتمع.

 

وفي سياق رسالتها العلمية والدعوية، أولت الرابطة عناية بالغة بمجال التأليف والنشر، فأصدرت عدداً من الكتب التي تعرّف بإرتريا وتبرز واقع الدعوة الإسلامية فيها، في امتدادها التاريخي وتجلّياتها المعاصرة. كما دأبت على إصدار مجلة دعوية تربوية، صدر منها حتى الآن ثلاثة أعداد، تُعنى بنشر الوعي الرشيد ومعالجة القضايا الفكرية والتربوية بمنهج علمي متين وأسلوب رصين.

وإلى جانب ذلك، عززت الرابطة حضورها في الفضاء الرقمي، عبر منصاتها المختلفة على وسائل التواصل الاجتماعي، مثل فيسبوك وتويتر ويوتيوب، فضلاً عن موقعها الإلكتروني الذي يُعد نافذةً لعرض رسالتها وأنشطتها ومواقفها.

 

وفي الجانب الحقوقي والخدمي، اضطلعت الرابطة بدور ملموس في مساندة الإرتريين في المهجر، حيث أسهمت في تذليل كثير من الصعوبات التي واجهتهم، وتابعت أوضاعهم عن كثب، وسعت عبر الوسائل المشروعة إلى معالجة قضايا الموقوفين بسبب مخالفات الهجرة في بعض البلدان والعمل على الإفراج عنهم. كما حرصت على الحضور الإنساني والاجتماعي الفاعل بمشاركة الجاليات الإرتريّة في أفراحهم وأتراحهم، تعبيراً عن روح التضامن والانتماء. هذه المشاركات والجهود أكسبت الرابطة ثقة وتقديرا واسعا لدى المجتمع الإرتري، وأصبحت مرجعاً يلجأ إليه كثير من أبناء الجالية في معالجة ما يعترضهم من مشكلات وتحديات.

 

وفي عالم يشهد استقطابات حادة، تتبنى الرابطة خطاباً شرعياً متزناً، يجمع بين الدعوة والإصلاح، والوضوح والرحمة، وبين الثبات والانفتاح، ويركّز على وحدة الصف، ونبذ الفرقة، ويعمل على تعزيز روح المسؤولية تجاه الشأن العام. وهي تدرك أن الكلمة مسؤولية، وأن الخطاب غير المنضبط قد يضر أكثر مما ينفع، لذا تحرص على أن يكون خطابها مؤسساً على العلم والحكمة والمصلحة.

 

تستند الرابطة في مسيرتها إلى منظومة راسخة من القيم والمبادئ التي تضبط توجهها وتوجّه أدائها، وفي مقدمتها الاستقلالية في القرار والتوجّه، بوصفها حجر الزاوية في بنيتها المؤسسية، وأحد أهم مصادر قوتها ومصداقيتها. إذ تحرص الرابطة على أن تظل بمنأى عن التجاذبات الضيقة، محافظةً على قرارها الحر، ومنطلقةً في مواقفها من مرجعيتها الشرعية ومصالح مجتمعها، لا من أي إملاءات أو ارتباطات خارجية، فهي ليست مرتبطة بأي كيان حزبي داخلي أو خارجي. وتمنحها هذه الاستقلالية قدرةً أكبر على قول الحق بثبات، وتعزّز ثقة الناس بها، وتجعلها صوتا صادقا معبّرا عن هموم المسلمين الإرتريين وتطلعاتهم.

وفي إطار هذا التصور المتوازن، تؤكد الرابطة على طبيعتها العلمية والدعوية، وأنها ليست جهة سياسية ولا معارضة، مع احتفاظها بحقها في إبداء المواقف الشرعية الواضحة تجاه القضايا التي تمس مصالح المسلمين، وأوقافهم، وشؤونهم الدينية والدعوية، والعمل على إبراز هذه المواقف إعلامياً بمسؤولية ووعي.

وفي الوقت ذاته، تنأى الرابطة بنفسها عن الخوض في تفاصيل الاستقطابات والمحاور السياسية، محافظة على موقعها الجامع، مع إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع الجهات المختلفة بما يحقق مصالحها ويخدم رسالتها. كما تضطلع بدورها في إصدار الفتاوى في النوازل العامة المرتبطة بالشأن الإرتري، بما يلبي احتياجات المجتمع ويوجّه سلوكه وفق أصول الشريعة.

وتحرص الرابطة كذلك على أن تتمتع قيادتها بالكفاءة والقدرة على أداء مهامها بفاعلية واستقلال، بعيداً عن أي مؤثرات سلبية، بما يضمن سلامة القرار، وحسن التقدير، واستمرارية العمل المؤسسي على أسس راسخة من المسؤولية والاتزان.

 

وإلى جانب ذلك، تلتزم الرابطة بمنظومة متكاملة من القيم التي تُجسّد روح الاعتدال في الفهم والممارسة، وترسّخ المصداقية في القول والعمل، وتعزّز الإحساس بالمسؤولية تجاه الدين والمجتمع. فهي تقوم على الاستقامة والوسطية منهجاً وسلوكاً، وتعتمد التشاور والتطاوع أساساً في إدارة شؤونها واتخاذ قراراتها، مع مراعاة الموازنة والمرونة في التعامل مع المتغيرات. كما تتحلّى بروح التجرد وقبول النقد البنّاء، إيماناً بأهميته في التقويم والتطوير، وتستند في مسيرتها على الصبر والاحتساب في مواجهة التحديات. وتحرص كذلك على ترسيخ معاني الوحدة مع استيعاب التنوع، بما يعزز تماسك الصف ويثري العمل المشترك في إطار من الاحترام والتكامل.

 

إن رابطة علماء إرتريا ليست مجرد إطار تنظيمي، بل هي مشروع إصلاحي متكامل، يسعى إلى بناء الإنسان، وصيانة الهوية، وخدمة الدين والمجتمع، برؤية واضحة، ومنهج راسخ، وعمل دؤوب. وهي بما تحمله من رسالة ومسؤولية، ورؤية واضحة، ومنهج راسخ، وقيم أصيلة، تمثل نموذجاً لعمل علمي مؤسسي، يجمع بين الرسالة والوعي، صوتاً للحق، ومنارة للعلم، وجسرا للإصلاح، وأملاً متجدداً في توحيد الكلمة، وتعزيز الحضور الإسلامي للإرتريين محليا ودوليا.

ستبقى الرابطة، بإذن الله، مرآة تعكس نبل المقصد وطهارة المنهج، سائرة نحو أفق يتطلع فيه المسلم الإرتري إلى غدٍ مشرق، يسوده العدل، ويحرسه العلم، وتزينه قيم الإسلام العظيمة.

 

وأخيرا، للاطلاع بصورة أوسع وأعمق على هوية الرابطة وتوجهاتها ومنهجها وجهودها المتنوعة، يُمكن متابعة منصاتها الرسمية، بما في ذلك موقعها الإلكتروني وصفحاتها على وسائل التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر، إلى جانب قناتها على اليوتيوب، فضلاً عن إصداراتها المختلفة، وفي مقدمتها مجلة الرابطة، التي تعكس رؤيتها وتوثّق أنشطتها ومواقفها.

 

رابطة علماء إرتريا

أمانة الإعلام والعلاقات

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *