الحمد لله وحده والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين والهادي إلى الصراط المستقيم وعلى آله وصحبه والتابعين.
اليقينُ من المفاهيم القرآنية الكبرى في البناء الإيماني الإسلامي، وهو أحد أعمدة الهداية القرآنية، وذروة سنام العقيدة، بل هو الغاية التي يسعى القرآن الكريم إلى ترسيخها في قلب الإنسان المؤمن. فكلمة “اليقين” ليست مجرد مفردة لغوية تُتلى في سياق آية، بل هي عنوان منهجي في رحلة الإيمان، ومقصد عظيم من مقاصد الوحي، تهفو إليه النفوس المؤمنة، وتتبعه العقول الباحثة عن الحق سواء في المعارف والعلوم أو الأخبار والأنباء أو الغيب المجهول ما وراء الحواس، قال تعالى:(إِنَّ فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَـَٔایَـٰتࣲ لِّلۡمُؤۡمِنِینَ * وَفِی خَلۡقِكُمۡ وَمَا یَبُثُّ مِن دَاۤبَّةٍ ءَایَـٰتࣱ لِّقَوۡمࣲ یُوقِنُونَ ) الجاثية 3-٤، خلافا لمن قال الله عنهم:( بَلۡ هُمۡ فِی شَكࣲّ یَلۡعَبُونَ) الدخان/٩، ووصف الله تعالى أهل الغفلة والشك وغياب اليقين في الدنيا بالإجرام المهلك لأصحابه قال تعالى:(وَلَوۡ تَرَىٰۤ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُوا۟ رُءُوسِهِمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ رَبَّنَاۤ أَبۡصَرۡنَا وَسَمِعۡنَا فَٱرۡجِعۡنَا نَعۡمَلۡ صَـٰلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ) السجدة/١٢، وهيهات أن ينفعهم الوعي واليقين بعد فوات الأوان وضياع العمر وتنكيس الرؤوس بين يدي الملك الجبار جل جلاله.
أولًا: تعريف اليقين لغويًّا واصطلاحيًّا:
اليقين في اللغة:
اليقين في اللغة يعني العلم الجازم وهو نقيض الشك.
اليقين في الاصطلاح:
تعددت التعريفات الاصطلاحية عن “اليقين” وذلك على النحو الآتي:
- اعتقاد جازم بأن الشيء على ما هو عليه، مع نفي إمكان زواله أو تغيّره.
- علم لا يعتريه شك، مستند إلى دليل واستدلال، متحرر من الأوهام والظنون.
- سكون النفس وطمأنينتها مع إثبات الحكم، وهو ما يجعل صاحب اليقين مطمئنًا في إيمانه، ثابتًا في مواقفه.
- اعتقاد مطابق للواقع، لا يقوم على الخيال أو التصورات الوهمية، بل على الحقائق المتلقاة عن الوحي أو مدركة بالعقل أو محسوسة بالحواس.
- العلم الحاصل عن نظر واستدلال، وهو أرقى من مجرد التقليد، لأن صاحبه توصل إلى اليقين عن قناعة وبحث.
وخلاصة هذه التعريفات: أن اليقين هو علم جازم في القلب، لا تشوبه شبهة ولا تزعزعه شهوة، وهو نورٌ يقذفه الله في قلب المؤمن، فيستبين به طريق الحق ويثبت عليه.
ثانيًا: اليقين في القرآن الكريم ودلالاته:
جاءت مفردة “اليقين” ومشتقاتها في القرآن الكريم (بألفاظ مثل: أيقنوا، يوقنون، موقنين، يقينًا…) في نحو (28) موضعًا، وتنوعت دلالاتها بحسب السياق القرآني إلى خمسة معانٍ رئيسة:
- التصديق الجازم: في قوله تعالى: (وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) البقرة: 4، أي يصدّقون بها تصديقًا لا تردد فيه.
- الصدق المحض: في قوله تعالى حكاية عن الهدهد:(وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (النمل: 22، أي بنبأ صادق موثوق لا لبس فيه.
- التصور المطابق للواقع: قال تعالى:(كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ) التكاثر: 5، أي تصور الشيء على ما هو عليه في الواقع وهو لأصحاب البرهان كما ذكره الجرجاني في كتاب التعريفات.
- الموت: قال تعالى:(وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِين (الحجر: 99، أي حتى يأتيك الموت، لأنه أمر متيقَّن لا مفرّ منه.
- العلم المتيقَّن منه: كما في قوله:(وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا) النساء: 157، أي ما قتلوه على وجه العلم واليقين، بل على وجه الظن والوهم.
ويتضح أن “السياق” يعطي المفردة القرآنية دلالتها الخاصة، وأن لليقين في كل موضع من مواضع السياق دلالته التي يحددها السياق النصي والموضوعي.
وقد ورد اليقين في القرآن باعتباره مقصِدًا وغاية، لا مجرد حالة شعورية عابرة، ومن أبرز الآيات التي تدل على ذلك قوله تعالى:
﴿وَكَذَٰلِكَ نُرِيٓ إِبْرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ﴾ الأنعام/75
اللام هنا لام التعليل، أي أن الله أراه ملكوته ليصل إلى اليقين، وهذا يدل على أن مشاهد الكون وآياته وسيلة لبلوغ اليقين، وهو مقصد مرجو من تفعيل النظر والتدبر كما في قوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ﴾الذاريات:20، جعل الله في الأرض آيات للمهتدين، لكنه خصّ الموقنين بالانتفاع بها، أي أن منتهى التفكر في آيات الله هو الوصول إلى حالة اليقين واللام في “للموقنين” هي للاختصاص، وكلا اللامين(لام التعليل ولام الاختصاص) في الآيتين تدلان على مركزية اليقين كمقصد وغاية قرآنية.
ثالثًا: منزلة اليقين في الإسلام:
اليقين هو روح الإيمان، بل هو الإيمان كله كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “اليقين الإيمان كله“. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين“، لأن هذين الأصلين يجمعان العلم النافع والعمل الصالح.
ويقول ابن القيم رحمه الله: “إياك نعبد وإياك نستعين هي مقام اليقين“، لأن العبودية لا تكتمل إلا بيقين العبد بربه، والاستعانة لا تصدق إلا بيقينه في معيته ونصره.
وفي القرآن إشارات كثيرة إلى هذه المنزلة العظيمة وذلك من خلال الحديث عن يقين الأنبياء والمرسلين الذين بلغوا مقامات عظيمة في اليقين المصحوب بالتوكل على الله تعالى فهذا خليل الرحمن يأمره الله بذبح ولده وهو في قمة التعلق به والحاجة إليه فينفذ أمر الله دون تردد كما هو حال الذبيح نفسه قال تعالى:(وَقَالَ إِنِّی ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّی سَیَهۡدِینِ * رَبِّ هَبۡ لِی مِنَ ٱلصَّـٰلِحِینَ * فَبَشَّرۡنَـٰهُ بِغُلَـٰمٍ حَلِیمࣲ *فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعۡیَ قَالَ یَـٰبُنَیَّ إِنِّیۤ أَرَىٰ فِی ٱلۡمَنَامِ أَنِّیۤ أَذۡبَحُكَ فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰۚ قَالَ یَـٰۤأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ سَتَجِدُنِیۤ إِن شَاۤءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِینَ * فَلَمَّاۤ أَسۡلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلۡجَبِینِ * وَنَـٰدَیۡنَـٰهُ أَن یَـٰۤإِبۡرَ ٰهِیمُ * قَدۡ صَدَّقۡتَ ٱلرُّءۡیَاۤۚ إِنَّا كَذَ ٰلِكَ نَجۡزِی ٱلۡمُحۡسِنِینَ) الصافات / 99-105، ويرمى إبراهيم عليه السلام في النار ويكون ثابتا متيقنا بمعية الله ويقول حسبي الله ونعم الوكيل كما ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي عنهما قال:( كان آخر قول إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل) ، وكذلك حال موسى عليه السلام وهو يلاحق من فرعون وجنوده والبحر أمامه وقومه يقولون (إنا لمدركون) فكان رده كما قصه القرآن الكريم يحمل يقينا راسخا لا يتزحزح قال تعالى:(فَأَتۡبَعُوهُم مُّشۡرِقِینَ * فَلَمَّا تَرَ ٰۤءَا ٱلۡجَمۡعَانِ قَالَ أَصۡحَـٰبُ مُوسَىٰۤ إِنَّا لَمُدۡرَكُونَ * قَالَ كَلَّاۤۖ إِنَّ مَعِیَ رَبِّی سَیَهۡدِینِ * فَأَوۡحَیۡنَاۤ إِلَىٰ مُوسَىٰۤ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡبَحۡرَۖ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرۡقࣲ كَٱلطَّوۡدِ ٱلۡعَظِیمِ)الشعراء/60-63، وكمال اليقين وتمامه يتجلى في مسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها فهو صاحب المقام المحمود في اليقين والثقة بالله والتوكل عليه في أشد لحظات الخطر والمعاناة وقد قص الله تعالى علينا حاله يوم الهجرة وأهل الشرك يلاحقونه في كل مكان وهو ثابت القلب واثقا بربه قال تعالى:( إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ ثَانِیَ ٱثۡنَیۡنِ إِذۡ هُمَا فِی ٱلۡغَارِ إِذۡ یَقُولُ لِصَـٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِینَتَهُۥ عَلَیۡهِ وَأَیَّدَهُۥ بِجُنُودࣲ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِیَ ٱلۡعُلۡیَاۗ وَٱللَّهُ عَزِیزٌ حَكِیمٌ) التوبة/٤٠، وفي كل ذلك عبرة وقدوة حسنة لمن أراد أن يسلك درب اليقين والموقنين.
رابعًا: مراتب اليقين:
بيّن أهل العلم أن لليقين ثلاث مراتب، تتصاعد بحسب إدراك العقل واطمئنان القلب وتحقق المعاينة:
- علم اليقين: وهو اليقين المستند إلى الخبر الصادق، كإخبار الله ورسوله. مثال ذلك: إيماننا بالجنة والنار رغم أننا لم نرهما، ولكن نصدق بهما تصديقًا جازمًا، قال تعالى:(كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ) التكاثر: 5
- عين اليقين: وهو ما يشاهده الإنسان رأي العين، كما في قوله تعالى:
(ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ) التكاثر: 7. - حق اليقين: وهو أرقى مراتب اليقين، ويتحقق عند مباشرة الأمر والعيش فيه حقيقة واقعية، كما قال تعالى:(إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ) الواقعة: 95، أي حين يذوق أهل الجنة النعيم وأهل النار الجحيم.
وقد جمع الله هذه المراتب في مشهد تصاعدي بديع، يدل على تنقّل المؤمن من الخبر إلى العيان إلى العيش الكامل.
خامسًا: سبل تحصيل اليقين:
لا يُنال اليقين بالتمنّي ولا بالتقليد، وإنما يُحرَز بتحقيق شروطه والسير في طرقه، ومن أبرزها:
- تحقيق الإيمان الصادق، لأن اليقين ثمرة من ثمار الإيمان الصادق، قال تعالى:(وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (البقرة: 4.
- التفكر في آيات الله الكونية والقرآنية، لأن التدبر في الخلق يهدي إلى عظمة الخالق، كما قال تعالى:(رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ) الشعراء: 24.
- تلاوة القرآن وتدبره، فهو طريق للهداية وميراث اليقين:
قال تعالى:(هَٰذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (الجاثية: 20.
سادسًا: ثمرات اليقين:
- الرضا والتسليم لأمر الله:
(وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) المائدة: 50. - الثبات على الطاعة والاستقامة:
(وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) الحجر: 99. - الطمأنينة والثقة بوعد الله:
{فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ} [الروم: 60. - الإمامة في الدين والتمكين في الأرض:
(وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) السجدة: 24. - الهداية والرحمة القرآنية:
(هَٰذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) الجاثية: 20.
وخلاصة القول:
اليقين ليس فقط مرتبة من مراتب الإيمان، بل هو جوهر التوحيد، وروح الطمأنينة، وركن الثقة بالله، ومعيار صدق الاستقامة. فالقلوب التي امتلأت باليقين لا تهتز أمام الفتن، ولا تضعف أمام الابتلاء، بل تسير بنور الله، مطمئنة بوعده، راضية بقضائه، ثابتة على صراطه.
نسأل الله أن يرزقنا يقينًا ثابتاً لا يزول، وأن يجعلنا من الموقنين الصادقين الذين ينتفعون بالآيات المبثوثة في الأرض والذين قال الله فيهم:( وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ (
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
د. حسن سلمان