غاية التقوى في البناء القرآني – الحلقة الثالثة والأخيرة

12 يوليو 2026 28

غاية التقوى في البناء القرآني 3/3

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

وسائل تحصيل التقوى:

إنَّ التقوى ليست مقامًا يُنال بالتمنّي أو بالادعاء، وإنما هي ثمرة مجاهدةٍ للنفس، وسلوكٌ لطريقٍ واضح المعالم، قائم على جملةٍ من الوسائل العملية التي تزكّي القلب، وتُهذّب السلوك، وتربط العبد بربه رباطًا وثيقًا، ومن أبرز هذه الوسائل:

1/ الإيمان بالغيب واستحضار رقابة الله تعالى؛ إذ هو الأصل الذي تنبني عليه التقوى، فمتى استقر في قلب العبد يقينُ اطلاع الله عليه في السر والعلن، حمله ذلك على مراقبته في أقواله وأفعاله، وترك ما لا يرضيه، ولو خلا بنفسه بعيدًا عن أعين الناس قال تعالى:( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ ﴾ الأنبياء 48-49

2/ العبادة الخاشعة؛ فإن العبادات إذا أُدّيت بروحها وحضور قلب فيها، أورثت صاحبها أثرًا بالغًا في تزكية النفس، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ العنكبوت/45، فالخشوع ليس مظهرًا شكليًا، بل هو جوهر العبادة الذي يثمر التقوى ويمنع من المحرمات والمنكرات فكلما أديت العبادة بخشوع كلما كانت وسيلة لحصول التقوى.

3/ الذكر الدائم؛ فالذكر حياة القلوب، وهو الحصن الحصين من الغفلة، وكلما كان العبد أكثر ذكرًا لله وخشوعًا له ، كان أقرب إلى التقوى، لأن الذكر يذكّره بالله في كل حال، فيستحي أن يراه على معصية أو يفتقده عند طاعة قال تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ)، سورة الحديد: 16.

4/ التدبر في القرآن الكريم؛ فالقرآن هو أعظم مصادر الهداية، وتدبر آياته يفتح للعبد أبواب الفهم عن الله، ويعرّفه بمراده، ويغرس في قلبه معاني الخشية والرجاء، فتترسخ التقوى في وجدانه قال تعالى:( ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) البقرة: 2.

5/ التفكر في خلق الله؛ فإن التأمل في آيات الله الكونية يورث معرفة بعظمة الخالق وقدرته، ومن عرف الله عظّمه، ومن عظّمه اتقاه، فكان التفكر بابًا من أعظم أبواب التقوى.

6/ التعقل والنظر في السنن الإلهية؛ من خلال التأمل في سنن الله في الأمم والأفراد، وكيف كانت عواقب الطاعة والمعصية، فإن ذلك يورث بصيرةً في الطريق، ويجعل العبد أكثر حذرًا من سلوك سبيل الهالكين.

7/ الوقوف عند حدود الله؛ وذلك بالالتزام بأوامره واجتناب نواهيه، وعدم التوسع في الشبهات، فإن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ومن عظّم حدود الله فقد حقق جوهر التقوى.

8/ دوام الصلة بالله تعالى؛ وذلك بالمحافظة على الطاعات، وكثرة الدعاء، والانكسار بين يديه، فإن الصلة المستمرة بالله تُنشئ في القلب حياةً إيمانية دائمة، تثمر التقوى في كل حال.

9/ الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، والأنبياء، والصالحين؛ فإن التشبه بالأخيار من أقوى أسباب الصلاح، لأن النفس تتأثر بالقدوة، فإذا نظرت إلى سيرتهم، وتأسّت بأخلاقهم، سارت في طريقهم، وأثمر ذلك تقوىً راسخة.

التقوى والإحسان: من الواجب إلى الفضل:

ترتبط التقوى والإحسان في القرآن الكريم ارتباطًا وثيقًا؛ فالتقوى تمثل الأساس الذي يقوم عليه امتثال العبد لأوامر الله تعالى واجتناب نواهيه، أما الإحسان فهو المرتبة الأعلى التي يترقى بها المؤمن إلى بذل الخير وإتقانه وتكميله. ومن ثمَّ فإن التقوى تسبق الإحسان من جهة الأصل والبناء، بينما يأتي الإحسان زيادةً في الفضل وكمالًا في السلوك.

ويتجلى ذلك بوضوح في معاملة الإنسان لجاره؛ فالتقوى تقتضي كفَّ الأذى عنه وصيانة حقه، وهذا هو الحد الأدنى الواجب الذي لا يسع المسلم تركه. أما الإحسان إلى الجار فيتمثل في بذل المعروف، وقضاء الحاجة، وإظهار البر والمودة، وهو فضل وزيادة على مجرد ترك الأذى. فكل محسن متقٍ في أصل معاملته، وليس كل متقٍ قد بلغ مرتبة الإحسان.

 

وقد جمع الله تعالى بين المقامين في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ النحل: 128، فالتقوى أساس النجاة والقرب من الله تعالى، والإحسان كمالٌ يرفع صاحبه إلى أرفع المراتب. وبذلك تتكامل الأخلاق الإسلامية؛ إذ تبدأ بحفظ الحقوق وترك الظلم، ثم تسمو إلى البذل والبر وصناعة الخير في حياة الناس.

ثمرات التقوى وآثارها في حياة الفرد والمجتمع:

من القواعد الكلية المقررة في الشريعة الإسلامية أن جميع أوامر الله تعالى ونواهيه إنما شرعت لتحقيق مصالح العباد في دينهم ودنياهم، ودفع المفاسد عنهم في عاجل أمرهم وآجله؛ فما أمر الله سبحانه بشيء إلا لما يتضمنه من الخير والهداية والصلاح، وما نهى عن شيء إلا لما يفضي إليه من الشر والفساد والضرر. قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾

وتأتي التقوى في مقدمة هذه المقاصد الشرعية، فهي جماع الخير كله، والوصية التي أوصى الله بها الأولين والآخرين، وأساس صلاح الإنسان في دنياه، وسبب فلاحه في آخرته. وقد تكرر الأمر بها في القرآن الكريم في مواضع كثيرة كما تقدم، مما يدل على عظيم منزلتها، ورفيع شأنها، وأنها الميزان الذي تُوزن به الأعمال، والمعيار الذي يتفاضل به العباد عند الله تعالى

فالتقوى تورث الفرد استقامة في السلوك، ونقاء في القلب، وسكينة في النفس، وثباتًا على الحق، وتورث المجتمع عدلًا وأمنًا وتعاونًا وانتشارًا للفضيلة، كما تكون سببًا للبركة في الأرزاق، والتيسير في الأمور، وحسن العاقبة، ثم تنتهي بصاحبها إلى أعظم الغايات، وهي رضوان الله تعالى والفوز بجنته.

وفيما يأتي عرض لأبرز ثمرات وآثار التقوى كما دلت عليها نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، مع بيان ما تشتمل عليه من المعاني الإيمانية والتربوية وآثارها في حياة المسلم.

أولًا: ولاية الله تعالى والبشارة في الدنيا والآخرة:

قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ يونس: 62-64

تقرر هذه الآيات أصلًا عظيمًا من أصول الاعتقاد، وهو أن ولاية الله تعالى مبناها الإيمان والتقوى، لا الدعوى المجردة، ولا الانتساب بالأسماء والشعارات. فكل من حقق الإيمان والتقوى فهو من أولياء الله بقدر ما قام بقلبه وعمله من الإيمان والطاعة، ولذلك فإن الولاية ليست منزلة واحدة، وإنما هي درجات يترقى فيها العبد بزيادة إيمانه وتقواه، وتنقص بقدر ما يقع فيه من التقصير والمعصية.

ولهذا تتفاوت الولاية تبعًا لمراتب الدين؛ فأصلها يتحقق بالإسلام، ويزداد كمالها بالإيمان، وتبلغ أتم درجاتها بمقام الإحسان، وعلى هذا فلا يخرج المسلم الصادق الذي حقق أصل الإيمان من دائرة ولاية الله تعالى، وإنما يتفاوت الناس في كمالها بحسب تفاوتهم في تحقيق التقوى، ومن أعظم ثمرات هذه الولاية الأمن من الخوف فيما يستقبل، والسلامة من الحزن على ما مضى، والبشارة في الدنيا بحسن الخاتمة والثبات والتوفيق والرؤيا الصالحة ومحبة المؤمنين، ثم البشارة العظمى في الآخرة برضوان الله تعالى وجناته.

ثانيًا: معية الله الخاصة:

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: 128.

وهذه معية خاصة تغاير المعية العامة التي تشمل جميع الخلق بعلمه وإحاطته وقدرته، فهي معية تتضمن المحبة والنصرة والتأييد والحفظ والرعاية والتوفيق، فالمتقي يعيش في ظل هذه المعية الربانية، يستمد منها الثبات عند الفتن، والقوة عند الشدائد، والهداية عند الحيرة، والتوفيق عند التردد، فيكون أوثق الناس توكلًا على الله تعالى، وأقواهم يقينًا، وأثبتهم قلبًا عند نزول المحن.

ولذلك كان أهل التقوى أقل الناس اضطرابًا في أوقات الأزمات؛ لأنهم يستحضرون معية الله الخاصة، فيطمئنون إلى وعده، ويثقون بحكمته، ويحسنون الظن به سبحانه.

ثالثًا: الفرقان ونور البصيرة والعلم النافع:

قال تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ الأنفال: 29، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 282، ومن أجلِّ ثمرات التقوى أنها تورث صاحبها نورًا في القلب، وبصيرة نافذة، يميز بها بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والخير والشر، فلا يلتبس عليه طريق الرشاد مهما كثرت الفتن، ولا تغره زخارف الباطل مهما تزينت.

وهذا الفرقان ليس مجرد إدراك نظري، بل هو نور يهدي إلى حسن الاختيار، وسداد الرأي، وإصابة القرار في شؤون الدين والدنيا، ولذلك كان من آثار التقوى أن يوفق العبد إلى ما يحبه الله ويرضاه في أقواله وأعماله ومواقفه.

كما أن التقوى من أعظم أسباب تحصيل العلم النافع، إذ تفتح أبواب الفهم، وتعين على إدراك مقاصد الشريعة، وتورث الحكمة، وحسن تنزيل الأحكام على الوقائع، ولهذا كان علماء السلف يعدون صلاح القلب وتقوى الله جل جلاله من أهم أسباب رسوخ العلم وثباته.

رابعًا: تكفير السيئات وتعظيم الأجور:

قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ الطلاق: 5

من أعظم آثار التقوى أن الله تعالى يجعلها سببًا لمغفرة الذنوب، ومحو السيئات، ورفع الدرجات، ومضاعفة الحسنات، فهي ليست مجرد وقاية من الوقوع في المعصية، بل هي كذلك سبيل إلى إزالة آثار التقصير إذا وقع العبد في الذنب ثم رجع إلى ربه تائبًا منيبًا.

وكلما ازداد العبد تقوى وإخلاصًا، ازداد نصيبه من عفو الله ورحمته، فإن الكريم سبحانه يجازي على الحسنة أضعافًا كثيرة، ويجعل للمتقين من فضله ما لا يجعله لغيرهم، فيبارك في أعمالهم، ويعظم أجورهم، ويرفع منازلهم.

ومن أعظم ما يتصل بهذه الثمرة قبول الأعمال؛ إذ لا قيمة للعمل إذا لم يحظ بقبول الله تعالى، ولذلك قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ المائدة: 27. فالتقوى روح الأعمال، وهي التي تمنحها القبول والثمرة، ولذلك كان السلف الصالح أشد اهتمامًا بقبول العمل من اهتمامهم بكثرته.

خامسًا: اليسر والمخرج في الشدائد:

قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ الطلاق: 2-3، ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق:4

ومن السنن الإلهية الثابتة أن التقوى تفتح أبواب الفرج، وتيسر أسباب النجاة، وتجعل بعد العسر يسرًا، وبعد الضيق سعةً، فلا يدع الله عبده المتقي أسيرًا للشدائد، بل يهيئ له من أسباب الخلاص ما لا يخطر له على بال.

وقد يكون هذا المخرج حسيًا بزوال الكرب وانكشاف البلاء، وقد يكون معنويًا بما يقذفه الله في القلب من سكينة ورضًا وصبر وطمأنينة، وقد يكون توفيقًا إلى حسن التدبير، وسداد الرأي، واختيار أنفع الأسباب.

ولهذا كان أهل التقوى أرجى الناس فرجًا عند نزول الكروب، وأحسنهم ظنًا بربهم، وأبعدهم عن اليأس والقنوط، لأنهم يعلمون أن وعد الله حق، وأن الفرج مقرون بالتقوى.

سادسًا: الرزق من حيث لا يحتسب، والبركة في الأرزاق والأعمال:

قال تعالى: ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ الطلاق:3،﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 96.

ومن أعظم آثار التقوى أنها سبب لانفتاح أبواب الرزق، وليس الرزق مقصورًا على المال، بل يشمل كل ما ينتفع به الإنسان في دينه ودنياه، من صحة وعافية، وعلم نافع، وذرية صالحة، وأمن، وطمأنينة، ومحبة في قلوب الناس، وتوفيق إلى الخير.

ومن دقائق التعبير القرآني قوله تعالى: ﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، ففيه إشارة إلى أن الله قد يهيئ لعبده من أسباب الرزق ما لا يدخل في حساباته، ليزداد يقينًا بأن خزائن الرزق بيد الله وحده، وأن الأسباب لا تؤتي ثمارها إلا بإذنه سبحانه.

ولا يقتصر أثر التقوى على كثرة الرزق، بل يمتد إلى البركة فيه؛ فالبركة هي ثبات الخير ونماؤه وحسن الانتفاع به. فقد يبارك الله في المال القليل حتى يغني، وفي الوقت حتى يتسع للإنجاز، وفي العلم حتى يعظم نفعه، وفي الذرية حتى تكون قرة عين، وفي العمل حتى يؤتي من الثمار ما لا تؤتيه الأعمال المجردة عن التقوى.

سابعًا: محبة الله تعالى:

قال تعالى: ﴿فإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ آل عمران: 76، وهذه من أجلِّ ثمرات التقوى وأعلاها منزلة؛ إذ ليس بعد نيل محبة الله مطلب يرجوه المؤمن ولا غاية يسمو إليها.

فإذا أحب الله عبدًا وفقه للطاعة، وأعانه على الخير، وصرف عنه أسباب الغواية، وحفظه في دينه ودنياه، وألقى له القبول في الأرض، كما جاء في الحديث الصحيح (نَّ اللهَ إذا أحَبَّ عَبدًا دَعا جِبريلَ فقال: إنِّي أُحِبُّ فُلانًا فأحِبَّه، قال: فيُحِبُّه جِبريلُ، ثُمَّ يُنادي في السَّماءِ، فيَقولُ: إنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلانًا فأحِبُّوه، فيُحِبُّه أهلُ السَّماءِ، قال: ثُمَّ يوضَعُ له القَبولُ في الأرضِ، …….) أخرجه مسلم.

ولذلك كانت محبة الله أصل كل خير، فما من نعمة دينية أو دنيوية إلا ولها نصيب من آثار هذه المحبة، ولهذا تكرر في القرآن الكريم وصف المتقين بأنهم أهل لمحبة الله تعالى، تنويهًا بعلو منزلتهم، وترغيبًا لعباده في سلوك سبيلهم، والاجتهاد في تحقيق التقوى التي تقربهم من ربهم وتحقيق رضوانه.

ثامنًا: النجاة من الفتن والكروب:

قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ مريم: 72.

ومن سنن الله تعالى الجارية أن يجعل للمتقين النجاة عند اشتداد الفتن، والفرج بعد الكروب، والسلامة من موارد الهلاك في الدنيا والآخرة. فالتقوى حصن حصين يحفظ القلب من الزيغ، ويثبت صاحبه عند اضطراب الأحوال، ويهديه إلى سواء السبيل إذا التبست الطرق وكثرت الشبهات والشهوات.

وقد يبتلى المتقي كما يبتلى غيره، غير أن الله يمده بالصبر والثبات، ويهيئ له من أسباب النجاة ما يحقق له السلامة في دينه ودنياه، حتى تكون عاقبة أمره خيرًا.

تاسعًا: إجابة الدعاء والقرب من الله تعالى:

قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186

ومن أعظم ما تورثه التقوى أن يكون العبد أقرب إلى ربه، وأرجى لإجابة دعائه؛ لأن التقوى تجمع أسباب القبول من إخلاص النية، وصدق اللجوء إلى الله، وتحري الحلال، واجتناب المعاصي التي تكون سببًا في حرمان العبد من إجابة دعائه.

والدعاء من أجلِّ العبادات، بل هو مظهر الافتقار الكامل إلى الله تعالى، فإذا اجتمع مع التقوى كان أدعى للقبول، وأقرب إلى نيل المطلوب، ودفع المكروه، ولذلك كان الأنبياء والصالحون يجمعون بين كمال التقوى، وكثرة الابتهال والدعاء، رجاء فضل الله ورحمته.

عاشرًا: حسن العاقبة والتمكين في الدنيا:

قال تعالى:﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ الأعراف: 128،﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ الأعراف: 128.

ومن السنن الربانية الثابتة أن العاقبة الحميدة تكون لأهل التقوى، وإن طال طريق الابتلاء، وتأخر أوان النصر؛ فإن وعد الله لا يتخلف، وإنما تجري المقادير وفق حكمته سبحانه.

والتمكين ثمرة من ثمرات الصبر والتقوى، فإذا استقام العباد على أمر الله تعالى، وأخذوا بأسباب القوة المشروعة، جعل الله لهم من أمرهم رشدًا، وهيأ لهم أسباب العزة والرفعة، وأورثهم حسن الذكر في الدنيا، وجعل لهم العاقبة الحسنة في الدنيا قبل الآخرة.

الحادي عشر: الفوز بالجنة ورضوان الله تعالى:

قال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ النبأ: 31

﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ الطور: 17،

﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ آل عمران: 133

وهذه هي الثمرة العظمى التي تنتهي إليها جميع ثمرات التقوى، فكل ما يناله المتقي في الدنيا من هداية، وتوفيق، وبركة، وأمن، ورزق، وبصيرة، ومعية، ومحبة، إنما هو تهيئة له للفوز الأكبر، وهو رضوان الله تعالى، والنجاة من النار، ودخول جنات النعيم.

وفي ذلك اليوم يظهر الأثر الحقيقي للتقوى، حين يأمن المتقون من الفزع الأكبر، ويكرمهم ربهم بالرضوان الذي لا سخط بعده، وبالنعيم المقيم الذي لا انقطاع له، وذلك هو الفوز الذي لا يدانيه فوز، والربح الذي لا خسارة بعده.

ويتبين من مجموع النصوص الشرعية أن التقوى ليست خلقًا جزئيًا، ولا عبادةً منفردة، وإنما هي المنهج الجامع الذي تقوم عليه حياة المؤمن كلها؛ فهي أساس صلاح القلب، واستقامة السلوك، وقوام العلاقة بين العبد وربه، ومنها تنبثق سائر الفضائل، وبها تندفع أسباب الشرور والآثام.

وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن التقوى سبب لنيل ولاية الله ومعيته الخاصة، ومحبته لعبده، والبشارة في الدنيا والآخرة، ونور البصيرة، والعلم النافع، وقبول الأعمال، وتكفير السيئات، وتعظيم الأجور، وتيسير الأمور، وفتح أبواب الرزق، وحلول البركة، والنجاة من الفتن والكروب، وإجابة الدعاء، وحسن العاقبة، والتمكين في الأرض، ثم الفوز برضوان الله وجنته.

ويجمع هذه المعاني كلها قول الله تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: 132]، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]

فمن أراد صلاح دينه ودنياه، وسلامة قلبه، وحسن خاتمته، وسعادة الدارين، فليجعل التقوى شعاره في السر والعلن، وليجاهد نفسه على الترقي في مراتبها، من الإسلام إلى الإيمان، ثم إلى الإحسان. وكلما ازداد العبد تقوى ازداد قربًا من ربه، وعظم نصيبه من ولايته ومعيته ومحبته، حتى يلقى الله تعالى وهو عنه راضٍ، وذلك هو الفوز العظيم.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *