مدخل:
منذ أن بدأت قصة الإنسان على هذه الأرض، هناك شيئان أساسيان يتنازعان الحكاية، ولهما أسماء كثيرة: الخير والشر، والحق والباطل. والصراع بين الحق والباطل ليس فقط صراعًا مسلحًا أو صدامًا عسكريًا، وإنما هو في حقيقته صراع بين فكرتين: حق وباطل، وخير وشر، وما بقي من الصراعات ليس إلا مظهرًا من مظاهرهما.
إن الصراع بين الإسلام وأهل الكتاب هو في جانب منه صراع على السيادة، والنظر إلى الصراع في إرتريا بمعزل عن هذا البعد يجعل القراءة ناقصة، وبالتالي قد تكون خادعة.
إن الفكر النصراني، من «الإندنت» إلى «الكمندوس»، مرّ بمراحل من الصراع مع الثورة الإرترية؛ فقد شاركت قوى وشخصيات مسيحية في قتل وتهجير المسلمين، وعملت نيابة عن المحتل على إرباك الثورة الإرترية، وسعت إلى تطويقها واحتوائها، حتى وصل الأمر إلى التنازل عن اللغة، والمطالبة باعتماد اللغة الأمهرية لغةً لإرتريا.
وعندما بدأ تطبيق النظام الفدرالي، سعت تلك القوى إلى إجهاض كثير من الحقوق الأساسية التي كفلها الدستور، إلى أن أفضت تلك المسارات إلى ضم إرتريا إلى إثيوبيا.
وقد ذكرت هذه الأفعال حتى تكون ردّة الفعل بمستوى الفعل، ولو كان ذلك مجرد رأي. واليوم، ونحن أمام واقع دولة إرتريا المستقلة، تتواصل هذه الأفكار والممارسات، وربما بأبشع صورها الطائفية.
ونحن في العراء تلفحنا شمس الحقيقة التي تجاهلناها طويلًا، وما زلنا نفكر في حقوق شركاء الوطن أكثر مما نفكر في حقوقنا، فيأتي طرحنا في صورة المسكنة والاستجداء، مع أنهم ذهبوا بالجمل والجمال، والحلي والحلال، والبحار والجبال، والسهول والتلال.
والأخطر من كل ذلك أن بعض شركاء الوطن لا يريدون أن يكون لك مشروع نهضوي، ولا يريدون لك تقدمًا علميًا، ولا يريدون أن تكون لك قوة، سواء كانت معرفية أو مادية أو دينية أو اقتصادية أو اجتماعية؛ لأن امتلاكك لهذه القوة يهدد وجودهم، ويلغي هيمنتهم وامتيازاتهم.
ولذلك فإن أصدق وصف لما يقوم به بعضهم هو «الاستيطان»، أي الإحلال والإبدال.
ووجودك الاعتباري، أيها المسلم، لا يكون بالحوار وحده، ولا بالجوار وحده، ولا بمجرد الاستناد إلى الحق التاريخي؛ فالحقوق لا تُوهب، بل تُنتزع، وتُصان بالقوة التي تحميها، وبالإرادة التي تدافع عنها.
ومن لم يَذُد عن حوضه بسلاحه يُهدم….
ومن لا يظلم الناس قد يُظلم.
وكل شيء يحصل لك في هذه الحياة أنت مهيأ لتجاوزه، إلا إذا رضيت به واستكنت إليه؛ فالله لا يظلم الناس، ولكن الناس أنفسهم يظلمون.
ويبدو أننا وصلنا إلى مرحلة الاعتراف بالعجز، وهي حالة تذكّر بحال الجاهلية؛ حين كان الرجل إذا عجز عن إطعام أهله ذهب بهم إلى مكان يُسمى «الخباء»، فيجلسون هناك حتى الموت. ونحن الآن نجلس في كل خباء فكري، وما نطالب به من حقوق في الوطن أشبه بوصية تُكتب على فراش الموت وتُلقى بصوت خافت.
ومشكلتنا ليست في الأفكار ولا في الوعي، ولكن مشكلتنا في تحويل الأفكار والوعي إلى سلوك يدخل حيّز العمل ويؤدي وظيفته.
ونحن الآن في مرحلة المقاومة المعنوية، وليس بعدها حبة خردلة من الممانعة، ولم يبقَ إلا أن ننزل إلى القطب الجنوبي، إلى درجة التجمد!
يجب أن نرفع سقف مطالبنا عندما نطالب بحقوقنا. ثم لماذا نضع أنفسنا في خانة السائل والمستجدي، مع أننا أصحاب حق وأصحاب اليد العليا في هذا الوطن؟ وحين تكون مطالبنا بهذا التواضع، فما أسهل التنازل عنها عند أول مواجهة.
ودائمًا نقدم التنازلات لكي تنتهي المشكلة، لكنها لا تنتهي، بل تبدأ من جديد؛ لأن التنازل سيتبعه تنازل، إلى أن نصل إلى سؤال الطفل: «إذن، من أين آكل؟»، فيكون الرد: «ومن يريدك أن تأكل أصلًا؟».
لقد عمّم بعض النصارى وجودهم وحضورهم في الوطن، واحتكروا القرار السياسي والسيادي، وفرضوا ثقافتهم ولغتهم من خلال أدوات الدولة، أي عبر القوة والعنف.
بل يذهبون أبعد من ذلك، فيمنعون عنك أسباب القوة، ويصنفونك إرهابيًا أو «سكوباتيًا» أو متطرفًا ، وهذا هو الاستهداف المبكر والضربة الاستباقية.
إنهم لا يريدون لصوت المطالب أن يصل، حتى لو كان على بُعد آلاف الأميال عن إرتريا؛ لأنهم يشعرون الآن بأن المسلمين، كجدار موسى والخضر، آيلون إلى السقوط.
وهذا هو وقت الفراق بيننا وبينهم، وتلك هي لحظة الضربة القاضية.
فالسؤال الجوهري لا يتعلق فقط بما فُعل بنا، بل بما لم نفعله نحن، وبحجم الوهن الذي يسري في أفكارنا وطموحاتنا ومطالبنا الصغيرة.
كل أدوات القوة المادية والبشرية والجغرافية كانت بأيدينا، واليوم نقف طوابير أمام السفارات الأجنبية، ويأكلنا الإهمال، ويفتك بنا الفقر، وتزدري أعين الناس حالنا في مخيمات المهاجرين البائسة.
ثم تكون مطالبنا بهذا التواضع، مع أنها مجرد أفكار، وكثير منها يُطرح عن بُعد!
خاتمة
وآلمني، وآلم كل حر، سؤال الدهر:
أين المسلمون؟
كتبه الداعية / محمد خير عمر