التعارف البشري وعالمية الرسالة:
ومما سبق يتبين أن التعارف ليس مجرد وسيلة اجتماعية تحفظ بها المصالح، بل هو مقصد شرعي تضافرت نصوص القرآن والسنة على ترسيخه، حتى غدا أصلًا حاكمًا للعلاقات الإنسانية، ووسيلة لتحقيق التعاون والتكامل، وإقامة العمران الإنساني على أسس القسط والعدل والإحسان، بعيدًا عن التدابر والتباغض والصراع الذي تتبناه بعض الحضارات المعاصرة.
وتشهد لذلك جملة من الأحكام الشرعية؛ فمنها الحث على صلة الأرحام، وما يترتب عليها من توثيق الروابط الاجتماعية، ومؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، وما ورد في فضل المتحابين في الله، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه»، متفق عليه. ومنها الأمر بالإصلاح بين المتخاصمين، واعتبار تأليف القلوب نعمة من أعظم نعم الله، قال تعالى: ﴿وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَآءً فَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنًا﴾ آل عمران: 103. كما يظهر هذا المقصد في اعتبار العرف الصحيح مصدرًا من مصادر الاجتهاد، وفي الأمر بالتعاون على البر والتقوى، وإقامة فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي تشريع التكافل الاجتماعي الذي لا يتحقق إلا بمعرفة أحوال الناس والتواصل معهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم)، رواه ابن أبي شيبة والبزار والطبراني وحسنه الألباني.
غير أن هذا المقصد لا يقتصر على دائرة المسلمين وحدهم، بل يمتد إلى الإنسانية كلها، وهو ما تؤكده آية التعارف في سورة الحجرات. فالخطاب فيها موجه إلى الناس جميعًا، لا إلى المؤمنين خاصة، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْ﴾ الحجرات: 13. وقد نبه المفسرون إلى أن لفظ الشعوب يشمل أكبر التجمعات البشرية، عربًا وعجمًا، وأن اقترانه بالقبائل يدل على شمول الخطاب لمختلف الانتماءات والأجناس، مما يجعل التعارف حكمة عامة من حكم الاختلاف الإنساني، لا غاية مقصورة على فئة دون أخرى.
ويؤكد سياق الآية هذا المعنى؛ إذ ابتدأت بخطاب الناس كافة، ثم قررت وحدة الأصل الإنساني، وبينت أن التنوع في الشعوب والقبائل إنما هو للتعارف والتكامل، لا للتعالي والتنازع، وأن معيار التفاضل الحقيقي هو التقوى وحدها، لا العرق ولا اللون ولا النسب. ومن ثم فإن اختلاف الأمم والثقافات ليس سببًا للصراع، وإنما هو مجال للتواصل وتبادل المنافع وتحقيق المصالح المشتركة.
وإذا كان سبب نزول الآية يتعلق ببعض صور التفاخر بين المسلمين، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما أن السياق العام للتشريع يشهد لعموم هذا المقصد؛ إذ إن الرسالة الإسلامية رسالة عالمية، ولا يمكن أن تبلغ العالمين إلا بالتعارف والتواصل ومعرفة أحوال الأمم والشعوب. ولهذا جاءت النصوص الآمرة بمجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن، وأثبتت السيرة النبوية صورًا متعددة من التعامل مع غير المسلمين في إطار الدعوة وتحقيق المصالح المشروعة.
ومن أجمع ما قيل في بيان هذا المعنى ما قرره الإمام الشنقيطي عند تفسير قوله تعالى: ﴿لِتَعَارَفُوٓاْ﴾، حيث بين أن لام التعليل تدل على أن التعارف هو الحكمة من جعل الناس شعوبًا وقبائل، وأن هذا التنوع لم يشرع ليكون أساسًا للعصبية والتفاخر، وإنما ليحقق التعارف والتعاون، مع بقاء معيار الكرامة عند الله قائمًا على التقوى وحدها.
وعلى هذا الأساس، فإن غاية التعارف في التصور الإسلامي ليست مجرد التعارف الشكلي أو تبادل المعرفة، وإنما هي بناء جسور التواصل بين البشر، وتيسير تبليغ رسالة الإسلام، وتحقيق التعاون على المصالح المشتركة، واستثمار التنوع الإنساني في التكامل والعمران، وهو ما تؤيده كذلك النصوص التي أقرت سنة الاختلاف بين الناس، ودعت إلى الانتفاع بها، ومن ذلك الحث على تعلم لغات الأمم الأخرى لتيسير التواصل وإبلاغ الدعوة، بما يجعل التعارف أحد المقاصد الكلية التي تقوم عليها عالمية الإسلام ورسالته الإنسانية، وذلك ضمن الضوابط الشرعية التي تحقق مقاصد الشارع في التعارف المنشود بين المسلمين وغيرهم.
مراتب التعارف البشري وآفاقه الحضارية:
إذا كان التعارف مقصدًا قرآنيًا عظيمًا، ويتعلق بالتفاعلات الإنسانية التي تتداخل فيها عوامل عديدة يصعب معها تحقيقه دفعة واحدة، فإنه يمر بمراحل متدرجة، تتكامل فيما بينها حتى تبلغ غايتها الحضارية، ويمكن إجمال هذه المراتب في الآتي:
المرتبة الأولى:
التعريف: وهي مرحلة إزالة الجهل المتبادل، والتعريف بالهوية، والثقافة، والقيم، والرسالة الحضارية، بما يهيئ الأرضية للتواصل الإنساني.
المرتبة الثانية:
التعارف: وهي مرحلة التواصل والحوار والتفاعل الإيجابي، حيث تنتقل العلاقة من مجرد المعرفة إلى بناء الثقة والتفاهم، قال تعالى: ﴿وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْ﴾ الحجرات: 13.
المرتبة الثالثة:
الاعتراف: وهي الاعتراف بكرامة الإنسان وحقوقه وخصوصيته، واحترام حقه في الاختلاف المشروع، انطلاقًا من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ﴾ الإسراء: 70.
المرتبة الرابعة:
التعاون: وهي المرحلة التي يتحول فيها التعارف إلى عمل مشترك وتكامل في تحقيق المصالح العامة، وفق الضوابط الأخلاقية، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰ﴾ المائدة: 2.
المرتبة الخامسة:
التكامل الحضاري: وهي مرحلة تتجاوز مجرد التعاون إلى توظيف تنوع الشعوب وخبراتها وإمكاناتها في بناء الحضارة الإنسانية، وتبادل المنافع، وتحقيق التنمية والعدل، بحيث يصبح الاختلاف مصدرًا للإبداع والإثراء لا سببًا للصراع.
المرتبة السادسة:
الشهود الحضاري: وهي أسمى مراتب التعارف، حيث تنهض الأمم برسالتها الأخلاقية والإنسانية، فتشهد على الناس بالعدل والخير، وتسهم في هداية البشرية إلى القيم الرفيعة، وتحقق معنى قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ [البقرة: 143]. فالشهود الحضاري هو ثمرة حضارةٍ تجمع بين الإيمان والعلم، وبين القوة والأخلاق، وبين التقدم المادي والهداية الربانية، وتنتهي بإقامة حضارة الحق والصدق والعدل والرحمة.
وهذه التراتبية تعتمد على أن الأصل في العلاقات الدولية بين المسلمين وغيرهم يقوم على تبليغ الدعوة وحمل الرسالة، وأن قضية الحرب والسلم تتحدد من خلال الموقف من هذه الفكرة المركزية، كما ذهب إلى ذلك الإمام محمد بن الحسن الشيباني في كتابه السير الكبير، وهذه الرؤية تجمع بين كافة مراحل الدعوة ومواقف الآخرين منها صلحًا أو هدنة وموادعة أو قتالًا ينتهي بالإسلام عقيدة أو سيادة وحاكمية، وليس هذا مقام التفصيل في ذلك.
ضوابط التعارف بين المسلمين وغير المسلمين:
إذا كان التعارف بين المسلمين وغير المسلمين مقصدًا شرعيًا تدل عليه النصوص والمقاصد العامة للشريعة، فإنه لا يكون مطلقًا من كل قيد، بل تحكمه ضوابط شرعية تحقق مصالح المسلمين، وتصون هويتهم، وتدفع عنهم أسباب الانحراف والضرر. ومن أبرز هذه الضوابط ما يأتي:
1/ أن ينطلق التعارف من مبدأ الندية والاحترام المتبادل، بعيدًا عن التبعية أو الشعور بالدونية أو الاستعلاء، بما يهيئ بيئة مناسبة لإظهار الحق وبيان محاسن الإسلام، ولا ننسى أن الأمم في حالة ضعفها وتراجعها غالبًا ما تكون مولعة بتقليد الآخر الغالب، لأنها تعيش حالة الانكسار ثم الانبهار ثم الانصهار.
2/ أن يكون المقصد الأساس للمسلم من التعارف هو التعريف بالإسلام، وبلاغ رسالة الله إلى الناس كافة بالحكمة والموعظة الحسنة، امتثالًا لوظيفة الأمة في الشهادة على الناس والدعوة إلى الخير.
3/ الاستفادة مما لدى الآخرين من العلوم والخبرات والتجارب النافعة التي لا تتعارض مع أصول الدين وقيمه، إذ الحكمة ضالة المؤمن، فالمسلم يدور مع الحق والعدل والصدق حيثما وجده، كما قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِى جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِۦٓ ۙ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ﴾ الزمر: 33.
4/ أن يبتعد من لم يترسخ علمه بدينه ولم تكتمل ملكته العلمية عن البيئات والأفكار التي يُخشى أن تثير الشبهات في قلبه أو تزعزع يقينه، لأن حفظ العقيدة مقدم على التعرض لما قد يفسدها، وحماية الدين والعقل من أعظم مقاصد الشارع.
5/ أن يقوم التعارف على الحوار الرشيد القائم على الإنصاف وحسن الاستماع، بعيدًا عن التعصب للرأي أو الرغبة في الغلبة، وأن يبدأ الحوار من القواسم المشتركة التي تمهد للوصول إلى الحقيقة. ومن أبلغ ما يرشد إلى هذا المنهج قوله تعالى: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِين﴾ سبأ: 24، وهو أسلوب قرآني رفيع يجمع بين قوة الحجة ولين الخطاب، ويدعو المخاطب إلى التأمل الحر بعيدًا عن الإكراه أو الاستفزاز.
وقد أوضح وهبة الزحيلي في (التفسير المنير) أن هذا الأسلوب لا يعني الشك في الحق، وإنما هو من أساليب الأدب في المناظرة، إذ يفتح المجال للمخاطب ليعيد النظر في موقفه بنفسه حتى يصل إلى الحق عن اقتناع، وهو من أرقى أساليب الدعوة والمحاورة.
غير أن هذا المنهج، كما أشار الزحيلي، يختص بقضايا الاعتقاد من جهة الأسلوب الخطابي والدعوي، أما المسائل الاجتهادية والظنية فإن الحوار فيها يقوم على الإقرار بإمكان تعدد وجهات النظر، مع بقاء كل مجتهد معتقدًا رجحان ما انتهى إليه دليله، دون ادعاء العصمة أو إلغاء اجتهاد غيره، وهو ما عبّر عنه الإمام الشافعي رحمه الله بقوله: «رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب». راجع مقالة د. كلثومة دخوش بعنوان: مفهوم التعارف بين مقصدي الخلق والتشريع.
والبقية تأتي إن شاء الله.
د.حسن سلمان