كلمة الشيخ / برهان سعيد ـ الأمين العام لرابطة علماء إرتريا بمناسبة افتتاح المؤتمر الفقهي الدولي الرابع

12 أكتوبر 2026 105

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان، وجعل شريعته رحمةً للعالمين، وهدايةً للناس أجمعين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أصحاب الفضيلة العلماء،
المشايخ الأجلاء،
الأساتذة والباحثون،
الإخوة الحضور،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

يسعدني ويشرّفني أن ألتقي بكم في هذا المؤتمر الفقهي الدولي الرابع، الذي تنظمه الرابطة العالمية للفقهاء ورابطة علماء إرتريا في هذه المدينة العريقة، مدينة إسطنبول، التي اجتمع فيها عبق التاريخ، وميراث الحضارة، وذاكرة العلم، لتكون اليوم حاضنةً لهذا اللقاء العلمي المبارك، الذي يجمع ثلةً من العلماء والفقهاء والباحثين حول موضوع من أدق موضوعات الفقه وأعمقها أثرًا في فهم الشريعة وتنزيل أحكامها، ألا وهو: (مقاصد الشريعة الإسلامية تأصيلًا وتنزيلًا).
وإن اجتماع العلماء والباحثين حول مقاصد الشريعة ليس ترفًا علميًا، ولا بحثًا في قضية نظرية مجردة؛ وإنما هو استجابة لحاجة ملحّة فرضتها طبيعة المرحلة، وتعقّد قضايا الحياة، وتنوع النوازل، وتسارع المتغيرات، وتزايد الحاجة إلى فقهٍ راسخٍ يجمع بين صحة الدليل، وسلامة الفهم، ودقة التنزيل، واستحضار مقاصد الشريعة وغاياتها.

أيها العلماء والباحثون،
إن الشريعة الإسلامية ليست مجموعةً من الأحكام المتفرقة التي لا رابط بينها، وإنما هي شريعة محكمة، قامت على الحكمة والرحمة والعدل والمصلحة، واستهدفت في مجموعها تحقيق مصالح العباد في معاشهم ومعادهم، ودرء المفاسد عنهم، وإقامة الحق والعدل، وحفظ الضرورات التي لا تستقيم حياة الناس إلا بها.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
وقال سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185].
وقال جل شأنه: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: 6].

وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90].
فهذه الآيات وغيرها تكشف عن جانب أصيل من طبيعة هذه الشريعة؛ فهي شريعة جاءت لإصلاح الإنسان، وصيانة حياته، وحفظ دينه، وإقامة العدل، وتحقيق الخير، ودفع الضرر والفساد.
ومن هنا تتجلى أهمية علم مقاصد الشريعة؛ إذ هو من العلوم التي تعين الفقيه على إدراك الحكم والغايات التي راعاها الشارع في تشريعه، وتمنحه قدرةً أعمق على الجمع بين جزئيات النصوص وكلياتها، وبين الأحكام ومآلاتها، وبين ثوابت الشريعة ومتغيرات الحياة.

أيها الإخوة الكرام،
لقد أدرك أئمة الإسلام هذه الحقيقة، فلم ينظروا إلى الشريعة على أنها مجرد أوامر ونواهٍ منفصلة عن الحكم والغايات، وإنما نظروا إليها في إطارها الكلي المتكامل.
فالإمام أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله، الذي أفرد للمقاصد بناءً علميًا راسخًا في كتابه الموافقات، يقرر أن مقصد الشارع من وضع الشريعة يتجاوز مجرد امتثال الأحكام إلى بناء الإنسان على العبودية لله، فيقول: (المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه، حتى يكون عبدًا لله اختيارًا، كما هو عبدٌ لله اضطرارًا) [كتاب نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، أحمد الريسوني، 2/168].
وهذه كلمة بالغة الدلالة؛ لأنها تضعنا أمام حقيقة مهمة: أن المقاصد ليست فقط مصالح مادية أو دنيوية، وإنما هي كذلك تربية للإنسان وإخراج له من سلطان الهوى إلى سلطان الوحي، ومن الاسترسال مع الشهوة إلى الانقياد لحكم الله تعالى.
ومن هنا فإن الفقه المقاصدي الصحيح لا يعني البحث عن المصلحة بمعزل عن الشريعة، وإنما يعني اكتشاف المصلحة التي اعتبرها الشارع، وفهم الحكمة التي انبنت عليها الأحكام، وتنزيلها في إطار العبودية لله تعالى.

أيها العلماء الأجلاء،
ومن أبدع من قرر العلاقة بين الشريعة والمصلحة الإمام العز بن عبد السلام رحمه الله، في كتابه العظيم قواعد الأحكام في مصالح الأنام. فقد جعل مدار الأحكام على جلب المصالح ودرء المفاسد، وقرر أن معرفة مراتب المصالح والمفاسد من صميم الفقه.
ومن عباراته الجامعة: (ومعظم مقاصد القرآن الأمر باكتساب المصالح وأسبابها، والزجر عن اكتساب المفاسد وأسبابها) [قواعد الأحكام في مصالح الأنام، 1/7].
كما قرر أن الشريعة لا تنفك عن رعاية مصالح العباد، وأن الفقه الحقيقي هو القدرة على معرفة مراتب المصالح والمفاسد، وما يقدم منها وما يؤخر، وما يحتمل وما لا يحتمل. (
وهنا تظهر عظمة الفقه؛ فإن الفقيه لا يقف عند معرفة الحكم في صورته المجردة، وإنما يحتاج إلى معرفة مراتب المصالح، ومراتب المفاسد، وكيفية الجمع بينها عند التعارض، ومآلات الأفعال وآثارها.
وهذا هو الذي يجعل علم المقاصد علمًا ضروريًا في الاجتهاد والتنزيل، لا علمًا زائدًا على الفقه.

أيها الحضور الكريم،
ثم يأتي الإمام ابن القيم الجوزية رحمه الله، ليضع قاعدةً من أجمع ما قيل في بيان طبيعة الشريعة ومقاصدها.
يقول رحمه الله: (فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها). [إعلام الموقعين عن رب العالمين، ابن القيم، 3/337].
ثم يضع معيارًا بالغ القوة في فهم الأحكام وتنزيلها، فيقول: (فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث؛ فليست من الشريعة (، [إعلام الموقعين، 3/337].
وهذه العبارة تحتاج إلى وقفة طويلة، لا لأنها تفتح بابًا لتجاوز النصوص، وإنما لأنها تضع أمام الفقيه ضرورة فهم الشريعة في ضوء كلياتها وغاياتها.
فالشريعة عدل، ولا يجوز أن يُفهم حكم من أحكامها على وجه يناقض العدل الذي جاءت به.
والشريعة رحمة، فلا يجوز أن تُفهم أحكامها بطريقة تناقض الرحمة التي قامت عليها.
والشريعة مصلحة معتبرة، فلا يصح أن يُنسب إلى الشريعة ما يناقض مصالح العباد التي اعتبرها الشارع.
والشريعة حكمة، فلا يجوز أن يتحول تنزيل الحكم إلى ممارسة تفضي إلى العبث بمقاصده وغاياته.
وهنا ينبغي أن نؤكد مرة أخرى: المقصد لا يستقل عن النص، والمصلحة لا تستقل عن الشرع، وإنما يعرف الاعتبار الشرعي للمصالح والمفاسد بالنصوص والكليات والقواعد والاستقراء والاجتهاد المنضبط.

أيها العلماء والباحثون،
وإذا انتقلنا إلى الإمام محمد الطاهر ابن عاشور رحمه الله، وجدنا تطورًا مهمًا في النظر المقاصدي؛ إذ أعاد بناء علم المقاصد في صورة أكثر اتساعًا، وربطه بإصلاح المجتمع وحفظ نظام الأمة.
فهو يعرف مقاصد التشريع العامة بأنها: (المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها)، ويذكر من جملتها حفظ النظام، وجلب المصالح، ودرء المفاسد، وإقامة المساواة بين الناس، وجعل الأمة قوية مرهوبة الجانب. [محمد الطاهر ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية ص 55، دار السلام للطباعة والنشر. مصر، ط4].
ثم يلخص المقصد العام للتشريع في عبارة جامعة: (حفظ نظام الأمة، واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه؛ وهو نوع الإنسان).
وهنا تتسع دائرة النظر المقاصدي لتشمل الفرد والمجتمع، والأسرة والأمة، والدين والدنيا، والحقوق والواجبات، والعمران والإصلاح.
وهذا مهم للغاية في زماننا؛ لأن الفقه الذي ينظر إلى الفرد بمعزل عن المجتمع، أو إلى الحكم بمعزل عن أثره، أو إلى الجزئية بمعزل عن الكلية، قد لا يستطيع أن يقدم الإجابة الكاملة عن قضايا العصر.

أيها العلماء والباحثون،
إن من أعظم ما ينبغي التأكيد عليه أن مقاصد الشريعة ليست بديلًا عن النصوص الشرعية، ولا طريقًا للتحلل من دلالاتها وأحكامها، كما أنها ليست ذريعةً لإخضاع الشريعة للأهواء أو للضغوط الفكرية والاجتماعية المتغيرة.

أيها الحضور الكريم،
إن الحاجة إلى تفعيل مقاصد الشريعة في واقع الناس اليوم أصبحت أشد إلحاحًا؛ فالعالم يشهد تحولات متسارعة، ونوازل جديدة، وتطورات اقتصادية وتقنية وطبية واجتماعية وفكرية لم تكن معروفة بهذه الصورة في عصور سابقة.

وهذا ما يجعل الحديث عن التنزيل لا يقل أهمية عن الحديث عن التأصيل.
فالتأصيل يحمي العقل الفقهي من الانفلات.
والتنزيل يحمي الفقه من الجمود.
والجمع بينهما هو الطريق إلى اجتهاد راشد يحقق مراد الشارع في الواقع.

أيها العلماء والباحثون،
إن تناول مقاصد الشريعة تأصيلًا وتنزيلًا يمثل منهجًا متكاملًا.
فالتأصيل يبحث في المفهوم، والأدلة، والحجية، والأقسام، والمراتب، والأصول، والوسائل، والمكانة، والآثار، والصلة بالأدلة الشرعية، والمراحل التاريخية التي مر بها علم المقاصد.
أما التنزيل فينقلنا إلى مجال التطبيق والاجتهاد في الواقع؛ حيث تظهر قيمة المقاصد في معالجة النوازل، وتحقيق المصالح، ودفع المفاسد، ومراعاة المآلات، وتنزيل الأحكام على الوقائع المتجددة.

وهذا التكامل بين التأصيل والتنزيل من أهم ما يميز هذا المؤتمر؛ لأن المقاصد إذا انفصلت عن التأصيل تحولت إلى شعارات، وإذا انفصل التأصيل عن التنزيل بقي علمًا نظريًا لا يؤدي أثره الكامل في حياة الناس.

 

وفي الختام،
أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى الرابطة العالمية للفقهاء ورابطة علماء إرتريا على تنظيم هذا المؤتمر، وإلى العلماء والباحثين المشاركين فيه، وإلى اللجان العلمية والتنظيمية التي بذلت جهودًا في الإعداد والتحضير، سائلًا الله تعالى أن يبارك في جهودهم، وأن يجعل هذا اللقاء مباركًا نافعًا، وأن يوفق المشاركين فيه إلى الحق والصواب.

وأن يبارك في تركيا حكومة وشعبا وأن يمد في عمر رئيسها فخامة رجب طيب اردوغان وأن يمتعه بالصحة والعافية.

ولعل أجمل ما نختم به هذه الكلمة أن نستحضر تلك المعاني الجامعة التي قررها أئمة المقاصد:
فالشاطبي يذكّرنا بأن المقصد هو إخراج الإنسان من سلطان الهوى إلى العبودية لله. (
والعز بن عبد السلام يفتح أمام الفقيه ميزان جلب المصالح ودرء المفاسد. (
وابن القيم يقرر أن الشريعة عدل ورحمة ومصلحة وحكمة. (
وابن عاشور يلفت نظرنا إلى مقصد حفظ نظام الأمة واستدامة صلاحها. (
وبين هذه المعاني الأربعة تتجلى لنا صورة متكاملة للمقاصد: عبوديةٌ لله، ومصلحةٌ للعباد، وعدلٌ ورحمة، وصلاحٌ للمجتمع والأمة.

فنسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن قال فيهم
وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

برهان سعيد
الأمين العام لرابطة علماء إرتريا
29/4/1448هـ ــ 10/10/2026م

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *